إلى سيدة نساء الوجود… أمي

إلى سيدة نساء الوجود… أمي
ثروت زيد الكيلاني
لا أستدعيكِ من أعماق ذاكرتي، فأنتِ الحضور الأصيل الأبدي، بل أنتِ شرط وجودي في عالم تزدحم فيه المعاني لتصبح قابلة للإدراك والاحتمال.
أحنّ إلى خبزكِ الملتهب عند الفجر، وكأنه أذان حي للحياة، ودفء يتدفق حباً بأنفاس الصباح. وفنجان قهوتكِ يبعث الطيب من ثنايا همسات صوتك الرحيم: “أفيقوا، فالحياة أعمق من نوم يورث الكسل”، وكأنك تهبين الروح للزمن ليكون رحيماً في معناه.
أمي، أنتِ النص السردي الأول الذي لم يُكتب، صيغت حروفه بميزان حق لا يزل ولا يخطئ. تشكلت فيه منظومة قيم تحمل الفضيلة دون أن تُسطر، وأخذت منزلة في باطن وعيي وإنسانيتي، متجاوزة مخاوفي وقلقي، رغم كل ما يدعو إلى القسوة في عالم يعج بالألم.
أمي، أنتِ الوطن حيث الأمان حين يغيب، والانتماء الذي لا يمسه اشتراط ضيق البلاد، ولا تضعفه ترتيبات عالم تكالب على العباد بهمجية القوة واستمراء ضعف أمة اختارت التبعية ونهتكت مبادئ الأمومة الأولى: الكرامة والعزة. تشعّبت بنا الطرق حين نسينا أنها لا تنتهي إلا إليكِ… حيث لا حاجة لتفسير، ولا خوف من السقوط.
كبرتُ، واعتقدت أن الرأس قد اشتعل شيباً… لكنني في كل مرة أكتشف أن طفولتي لم تغادرني. أعود لأحتوي نفسي فيكِ، لأشكو لك عن حالي، لذلك أحببتُ عمري لأنكِ فيه، وخشيتُ نهايته لأن فيها احتمال دمعتكِ؛ ليس لأن الموت يُفزعني، بل لأن حزنكِ أكبر من أن يُحتمل.
ولو كان للعودة معنى، فلن أعود كما أنا، بل كشيءٍ منكِ، إلى ذلك البيت العتيق الذي لم يكن مجرد مكان، بل انتظاراً لا ينطفئ، وحباً لا يخذل، ووطناً… لا يغيب.





