صدى مصرعاجلمقالات

-​الأُم.. سرّ (البِرّ) في سِفر الحياة: معركة الوصال الأكبر في دنيا الفناء وباقي العهد في عالم البقاء

-​الأُم.. سرّ (البِرّ) في سِفر الحياة: معركة الوصال الأكبر في دنيا الفناء وباقي العهد في عالم البقاء

 

-​الأُم.. سرّ (البِرّ) في سِفر الحياة: معركة الوصال الأكبر في دنيا الفناء وباقي العهد في عالم البقاء

✍️بقلم :عزت السيد السبع

​الأم.. هي الإشارة الإلهية الأولى إلى معنى الرحمة في هذه الأرض. لو أردنا أن نختزل كل معاني التضحية والصبر والعطاء غير المشروط في كلمة واحدة، لما وجدنا غيرها. إنها ليست مجرد فرد، بل هي مَقامُ عبادة خفيّ أُمرنا به، وامتحان وجودي يومي يحدد مصيرنا الأخروي. لقد قرن الخالق الإحسان إليها بعبادته، ليؤكد أن برّها ليس فضيلة عابرة، بل هو ركن إيماني لا يكتمل إسلام المرء إلا بتمام الوفاء به. وبيننا وبينها سِفرٌ من العمر: إما نعيش فرصة البر العظيمة تحت أقدامها وهي حيّة، أو نعيش عظمة الوفاء بالعهد لها وهي غائبة. فلنتأمل اليوم في سِرّ هذه المكانة التي جعل الله (الوصال الأعظم والفرصة الذهبية)
​إن وجود الأم الحية في البيت هو نعمة لا تُقدَّر، وفرصة مفتوحة على مصراعيها لنيل رضا الله. إنها الجهاد اليومي المتاح لكل إنسان في زمننا هذا.
​لقد وضع التشريع الإلهي بر الوالدين، والأم تحديداً، في أسمى المقامات، فجعلها أحق الناس بحسن الصحبة ثلاث مرات متواليات، ليرفع من قدرها بقدر ما تحمَّلته من وهن الحمل والولادة والرضاعة:
​عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: “أمُّك، قال: ثم من؟ قال: أمُّك، قال: ثم من؟ قال: أمُّك، قال: ثم من؟ قال: أبوك” (متفق عليه).
​كما أن الإحسان إليها ليس مجرد سلوك عابر، بل هو قانون إلهي يُربط مباشرة بأصل العبادة، ويبلغ أقصى درجات الرأفة واللين في سن الكِبَر حيث تشتد الحاجة إلى الرعاية والصبر:
​قال تعالى في محكم التنزيل:
​”وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا” (الإسراء: 23).
​”وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا” (الإسراء: 24).
​ففي هذه الآيات الكريمة دلالة على أن الإحسان ليس فقط توفير الاحتياجات، بل هو خَفْضُ جناح الذُّل من الرحمة؛ أي التواضع والانكسار أمامها، وتحمّل ضعفها، تذكراً لقوتها وتحمّلها لنا في ضعفنا وصغرنا. فمن عرف قدر الأم وهي حية، فقد أدرك سرّ البر في سِفر الحياة.

​عندما تغيب الأم جسداً، يفتقد الأبناء والأسرة الدعاء الصادق، والحنان غير المشروط، ورمز الوحدة العائلية. وهنا يتحول البر من عمل يومي مادي إلى معركة الوصال الروحي عبر الأثر والدعاء.
​لكن عظمة الإسلام تكمن في أنه لم يجعل البر متوقفاً على الحياة، بل جعل له سُبلاً تستمر بعد الممات لتخفيف مرارة الافتقاد، وفتح أبواب الأجر للأبناء البارين:
​سُئل النبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، هل بقي من بر أبويَّ شيء أبرّهما به من بعد موتهما؟ قال: “نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصِلة الرحم التي لا تُوصل إلا بهما، وإكرام صديقهما” (سنن أبي داود، وصححه الألباني).
​هذا الحديث يُعد دليلاً شاملاً على أن الوفاء بالأم لا ينتهي بموتها، بل يستمر في:
​الدعاء والاستغفار: استمرار العطاء الروحي لهما.
​إنفاذ العهد: الحفاظ على سُمعتها الطيبة وتنفيذ وصاياها الدينية والدنيوية.
​صِلة رحمها: الإحسان إلى الخالات والعمات وأبنائهن؛ فهنَّ صلة الرحم المرتبطة بها.
​إكرام صديقاتها: وهو أبلغ دليل على الوفاء والمحبة الصادقة للأم الراحلة.

​خلاصة القول: إنها الأم. هي الجنة القريبة التي نراها بأعيننا، وهي الفرصة النادرة لتغيير موازين آخرتنا. إن كانت حية، فاجعلها أولوية لا تلين، واجعل التواضع لها هو شعارك اليومي، وإن كانت غائبة، فاجعل الدعاء والوفاء عهدك الذي لا ينكسر. فمن عرف قدر الأم في حياتها ووفى ببرها بعد وفاتها، فقد أدرك سرّ البر في سِفر الحياة، ونجح في معركته الإيمانية

زر الذهاب إلى الأعلى