صدى مصرمقالاتمنوعات

الإعلانات المحرجة.. إفسادٌ للمَّة العائلية وانتهاكٌ لخصوصية البيوت

تحول الإعلانات إلى مصدر للإحراج العائلي  

 

الإعلانات المحرجة.. إفسادٌ للمَّة العائلية وانتهاكٌ لخصوصية البيوت

تحول الإعلانات إلى مصدر للإحراج العائلي

 

بقلم: محمد رمضان أمين

لا يوجد موقف أكثر سخافة وإحراجًا من أن تجلس العائلة بمختلف أعمارها؛ الآباء، والأمهات، والأبناء، والشباب، وربما بحضور الضيوف أيضًا، لمتابعة فيلم أو مسلسل اندمج الجميع مع أحداثه، وفجأة يقطع هذا الانسجام إعلان صارخ يتحدث بتفاصيل دقيقة عن الفوط الصحية، أو غازات القولون، أو نزيف اللثة، أو روائح العرق، فتتحول لحظة المتعة إلى حالة من الصمت الرهيب والارتباك العام، ويبدأ كل فرد في البحث عن أي شيء يهرب به من هذا الموقف المحرج.

المشكلة ليست في هذه المنتجات، فهي منتجات طبية وشخصية يحتاج إليها الجميع في حياته اليومية، ولا أحد ينكر أهميتها. لكن الأزمة الحقيقية تكمن في طريقة العرض، والتوقيت الخاطئ، والأسلوب المستفز الذي تُقدم به هذه الإعلانات، وكأن احترام خصوصية الأسرة لم يعد له مكان في حسابات المعلنين.

فما الداعي إلى عرض التفاصيل المحرجة باستخدام حوارات مباشرة وتصاميم بصرية مبالغ فيها لا تناسب شاشة عامة يشاهدها الصغير قبل الكبير؟ ولماذا يُفرض هذا النوع من الإعلانات قسرًا على ملايين البيوت في وقت يعلم فيه المعلنون جيدًا أن الأسرة مجتمعة أمام الشاشة؟

فهذا الأسلوب لا يحقق هدف الإعلان، بل يهدمه. فبدلًا من جذب المشاهد، ينجح فقط في كسر مزاج المشاهدة وإفساد اللمة العائلية. وما إن يبدأ الإعلان حتى تمتد الأيدي تلقائيًا إلى جهاز التحكم لكتم الصوت أو تغيير القناة، فيتحول الإعلان إلى مادة مكروهة، ويفشل في إيصال رسالته، بل ويترك انطباعًا سلبيًا عن المنتج نفسه.

والأكثر إزعاجًا أن هذه الإعلانات تقتحم البيوت دون استئذان، متجاهلة أن المنزل ليس مجرد مكان للمشاهدة، بل مساحة آمنة تجتمع فيها الأسرة بكل خصوصيتها. فليس من المقبول أن تتحول غرفة المعيشة إلى ساحة لعرض موضوعات شديدة الخصوصية أمام الأطفال وكبار السن والضيوف، فقط لأن دقائق البث الإعلاني تُدر أرباحًا أكبر.

التسويق الناجح لا يقوم على إحراج الناس، ولا على فرض محتوى شديد الخصوصية داخل بيوتهم، وإنما يقوم على احترام ذوق المشاهد واختيار الوسيلة المناسبة للوصول إلى الجمهور المستهدف. فالإعلانات الشخصية والطبية لها أماكن أكثر ملاءمة؛ كالمجلات المتخصصة، والصيدليات، والمنصات الرقمية الموجهة، وليس البث التلفزيوني العام الذي يدخل كل بيت دون تمييز.

فالبيوت لها حرمة، والاحترام هو رأس مال أي قناة. والشاشة التي تضحي بخصوصية العائلة من أجل أموال الإعلانات، ستخسر جمهورها عاجلًا أم آجلًا. فاحترام المشاهد ليس رفاهية، بل هو أساس الثقة، والثقة هي الاستثمار الحقيقي الذي لا ينبغي التفريط فيه مهما كانت العوائد الإعلانية.

زر الذهاب إلى الأعلى