أدب وثقافةصدى مصرمقالاتمنوعات

البرامكة… كيف سقط أقوى رجال الدولة في ليلة واحدة؟

سلسلة التاريخ من وراء الستار

 

البرامكة… كيف سقط أقوى رجال الدولة في ليلة واحدة؟

 

بقلم / محمد مصطفى كامل

قصة البرامكة

ليست أخطر الأزمات التي تواجه الدول تلك التي تأتيها من حدودها. بل تلك التي تنمو في قلبها. فقد تهزم الجيوش عدوًا خارجيًا، وتستعيد مدينة أو إقليمًا، لكن الدولة قد تعجز عن مواجهة نفوذٍ نما داخل مؤسساتها حتى أصبح دولةً داخل الدولة.

وهنا يبدأ الخطر الحقيقي. لأن السلطة تستطيع أن تتسامح مع الخصوم. لكنها لا تتسامح طويلًا مع من يشاركها هيبتها.

ومن بين أكثر القصص إثارة في التاريخ العباسي، تبرز قصة أسرة لم تحمل لقب الخلافة، لكنها بلغت من النفوذ ما جعل الناس يظنون أن مقاليد الدولة قد أصبحت بين يديها.

أسرةٌ ارتبط اسمها بازدهار بغداد، ورعاية العلماء، وتنظيم الإدارة، حتى غدت مثالًا للكفاءة والثراء. ثم في ليلة واحدة،تحول المجد إلى مأساة. وقُتل أقرب رجال الخليفة إليه. وصودرت الأموال. وامتلأت السجون بأفراد الأسرة التي كانت بالأمس تدير شؤون الإمبراطورية. فما الذي حدث؟ وهل كان البرامكة ضحية مؤامرة؟ أم ضحية نجاحهم الكبير؟ أم أن الدولة رأت أن الوقت قد حان لتستعيد السلطة كاملة إلى يد الخليفة؟

البرامكة… كيف سقط أقوى رجال الدولة في ليلة واحدة؟

لم يكن البرامكة من البيت العباسي، ولا من قبائل العرب. وترجع أصولهم إلى مدينة بلخ في خراسان، حيث كان أسلافهم يتولون الإشراف على معبد النوبهار قبل الإسلام، ثم دخلوا الإسلام، وانخرطوا في خدمة الدولة العباسية منذ قيامها، حتى أصبحوا من أكثر رجالها علمًا وخبرة.

وكان نجم الأسرة الأكبر هو يحيى بن خالد البرمكي. رجلٌ جمع بين الذكاء السياسي، والخبرة الإدارية، وبعد النظر، حتى لفت أنظار الخليفة المهدي، الذي عهد إليه بتربية ابنه هارون، والإشراف على تعليمه وإعداده لتحمل مسؤولية الخلافة. ولم تكن تلك مهمة عابرة.

فقد نشأت بين يحيى وهارون علاقة وثيقة، حتى إن الرشيد ظل بعد توليه الخلافة ينظر إليه بعين التقدير، ويصفه في بعض الروايات بـ”الأب” لما كان له من أثر في تربيته. ولما تولى هارون الرشيد الحكم سنة 170 للهجرة، لم يتردد في إسناد الوزارة إلى يحيى بن خالد، ومنحه صلاحيات واسعة لإدارة شؤون الدولة. ثم برز ولداه، الفضل وجعفر، فأصبح كل واحد منهما ركنًا من أركان الإدارة العباسية.

كان الفضل مشهورًا بالحكمة والتنظيم، ومتابعة شؤون الولايات والجيش. أما جعفر، فقد كان أقرب الناس إلى مجلس الخليفة، يرافقه في أسفاره، ويشاركه كثيرًا من مجالسه، حتى أصبح اسمه يقترن باسم هارون الرشيد في معظم الروايات.

ومع مرور السنوات، ازداد نفوذ البرامكة اتساعًا. فلم يعودوا مجرد وزراء. بل أصبحوا يشرفون على الدواوين، ويقودون الحملات، ويختارون الولاة، ويتابعون بيت المال، ويستقبلون الوفود، حتى بدا لكثير من الناس أن الدولة العباسية بلغت ذروة انتظامها بفضل كفاءتهم.

وكان لهم كذلك دور بارز في تشجيع العلماء والأطباء والأدباء، والإنفاق على حركة التأليف والترجمة، فازدادت بغداد ازدهارًا، وأصبحت مقصدًا لأهل العلم من مختلف الأقاليم. ولم يكن هذا النفوذ وليد المصادفة.

فالبرامكة لم يصلوا إلى تلك المنزلة بالنسب. بل بالكفاءة. وكان هارون الرشيد يرى فيهم رجال دولة من الطراز الأول، يعتمد عليهم في إدارة إمبراطورية مترامية الأطراف، يصعب على خليفة واحد أن يتابع تفاصيلها كلها بنفسه.

لكن التاريخ يعلمنا أن النفوذ إذا اتسع كثيرًا. بدأ يثير القلق. فشيئًا فشيئًا، أصبح اسم البرامكة يتردد في المجالس بالقدر نفسه الذي يُذكر فيه اسم الخليفة. وأخذ الناس يقصدون قصورهم كما يقصدون قصر الخلافة، وأصبح لهم من الثراء، والأتباع، والهيبة، ما لم يبلغه وزراء قبلهم.

وهنا بدأ السؤال الذي كثيرًا ما غيّر مصير الدول عبر التاريخ! هل بقي الوزراء خدّامًا للدولة… أم أصبحوا قوةً يخشاها رأس الدولة نفسه؟ ذلك السؤال ظل صامتًا سنوات. حتى جاء اليوم الذي سيُجيب عنه هارون الرشيد بطريقة لم يكن يتوقعها أحد. لم يكن نفوذ البرامكة مجرد نفوذ وزراء يجلسون خلف مكاتبهم. بل كان نفوذًا امتد إلى معظم مفاصل الدولة.

فقد تولوا إدارة الدواوين، وأشرفوا على بيت المال، وتابعوا شؤون الولايات، وأصبح كبار القادة والولاة يتواصلون معهم قبل أن تصل الأمور إلى الخليفة.

وكان ذلك طبيعيًا في نظر كثير من الناس. فالدولة العباسية أصبحت إمبراطورية مترامية الأطراف، وإدارة هذا الاتساع كانت تحتاج إلى رجال أكفاء، وقد أثبت البرامكة قدرتهم على حمل هذه المسؤولية. لكن ما كان يراه الناس علامة قوة.

بدأ بعض رجال البلاط يراه سببًا للخطر. فكلما اتسع نفوذ أسرة واحدة، ازداد الحاسدون لها، وكثر المتضررون من مكانتها، وبدأت الوشايات تجد طريقها إلى مجلس الخليفة.

وتحدثت الروايات عن تنافس خفي بين رجال الدولة، وعن خصومات داخل القصر، وعن أصوات أخذت تردد أن البرامكة لم يعودوا مجرد وزراء، بل أصبحوا أصحاب سلطان يكاد يوازي سلطان الخليفة.

ولا يستطيع المؤرخ المنصف أن يجزم بسبب واحد أسقط البرامكة. فالمصادر القديمة قدمت تفسيرات متعددة، واختلفت فيما بينها اختلافًا كبيرًا. فمنها من رأى أن السبب كان تضخم نفوذهم السياسي والمالي حتى خشي الرشيد على هيبة الخلافة. ومنها من أشار إلى خلافات في إدارة الأموال وشؤون الولايات. وروايات أخرى ربطت سقوطهم بقصة جعفر البرمكي والعباسة، أخت هارون الرشيد.

غير أن كثيرًا من الباحثين المتأخرين يعدون هذه القصة الأدبية غير ثابتة تاريخيًا، ويرون أنها اشتهرت في كتب الأدب أكثر مما اعتمدتها المصادر التاريخية الموثوقة.

ولذلك، فإن التفسير الذي يحظى بقبول عدد كبير من المؤرخين هو أن تراكم النفوذ في يد البرامكة، مع ازدياد استقلالهم في إدارة شؤون الدولة، أثار مخاوف الخليفة من أن تتحول الوزارة إلى مركز قوة ينافس مركز الخلافة.

وكان هارون الرشيد رجل دولة قبل أن يكون رجل عاطفة. وقد ورث عن جده أبي جعفر المنصور إيمانًا راسخًا بأن الدولة لا تستقر إذا تعددت مراكز القرار فيها. ولذلك، ظل يراقب المشهد بصمت. لا يعجل بالمواجهة. ولا يغفل عما يدور حوله. حتى إذا رأى أن الوقت قد حان، اتخذ قراره الذي سيهز أركان الدولة كلها.

وفي سنة 187 للهجرة، وبينما كان الناس يظنون أن البرامكة في أوج مجدهم، صدر الأمر الذي لم يكن أحد يتوقعه. أمر الخليفة بالقبض على جعفر بن يحيى البرمكي. ولم تمضِ ساعات حتى كان جعفر قد قُتل.

وفي الوقت نفسه، اعتُقل يحيى بن خالد، وابنه الفضل، وسائر كبار أفراد الأسرة، وصودرت أموالهم، وأُغلقت قصورهم، وتفرق أنصارهم، وانتهى نفوذ امتد سنوات طويلة في ليلة واحدة.

لقد كانت سرعة الأحداث مذهلة. فالأيدي التي كانت بالأمس توقع باسم الدولة. أصبحت مقيدة. والقصور التي كانت تستقبل الوفود… أغلقت أبوابها. والأسرة التي ظن كثيرون أنها أصبحت شريكًا دائمًا في الحكم. اختفت من مسرح السياسة فجأة، حتى بدا الأمر وكأنها لم تكن يومًا من أقوى بيوت الدولة العباسية.

لكن. هل كان سقوط البرامكة مجرد انتقام من أسرة قوية؟ أم كان قرارًا سياسيًا أعاد رسم حدود السلطة داخل الدولة العباسية؟ ذلك ما سنراه في الفصل الأخير، حين نقرأ نتائج تلك الليلة، وأثرها في هارون الرشيد، وفي مستقبل الدولة العباسية كلها.

لم يكن سقوط البرامكة حدثًا عابرًا في تاريخ الدولة العباسية. بل كان نقطة تحول كبرى في طريقة إدارة الإمبراطورية. ففي صباح اليوم التالي، أدرك الجميع أن الدولة دخلت مرحلة جديدة. مرحلة لم يعد فيها أحد، مهما علت منزلته، بمنأى عن سلطة الخليفة.

لقد أراد هارون الرشيد أن يبعث برسالة لا تحتمل التأويل، أن الدولة لا تعرف شريكًا في الحكم، وأن جميع السلطات تنتهي عند الخليفة. ومنذ ذلك اليوم، أعاد الرشيد توزيع كثير من صلاحيات الدولة، وأصبحت الدواوين والولايات تخضع لرقابة أشد، حتى لا يتكرر ظهور مركز نفوذ يوازي مركز الخلافة.

ورغم النهاية المأساوية للبرامكة، فإن التاريخ لا يستطيع أن ينكر ما قدموه. فقد كانوا من أكفأ رجال الإدارة في عصرهم، وأسهموا في تنظيم الدواوين، وتطوير جهاز الدولة، ورعاية العلماء والأدباء، وتشجيع حركة التأليف والترجمة، وكان لهم دور مهم في ازدهار بغداد خلال السنوات الأولى من حكم الرشيد.

ولهذا، فإن الإنصاف التاريخي يقتضي ألا ننظر إليهم من خلال ليلة سقوطهم وحدها. بل من خلال سنوات عطائهم أيضًا. ولعل أكثر ما يلفت النظر في هذه القصة أن التاريخ كرر نفسه بصورة تكاد تكون مدهشة.

فقد رأينا من قبل أبا مسلم الخراساني، الرجل الذي أقام الدولة العباسية بسيفه، ثم انتهى مقتولًا بأمر الخليفة أبي جعفر المنصور عندما شعر أن نفوذه تجاوز الحد الذي تقبله الدولة.

ثم جاءت قصة البرامكة لتؤكد أن الأشخاص اختلفوا. لكن القاعدة بقيت واحدة. فالسلطة قد ترفع الرجال إلى أعلى المناصب، لكنها لا تسمح بأن يصبح ولاء الناس لهم أكبر من ولائهم للدولة، ولا أن يتحول نفوذهم إلى قوة مستقلة تنازعها القرار.

وهذه ليست خصوصية للدولة العباسية وحدها. بل هي سنة تكررت في إمبراطوريات كثيرة عبر التاريخ. فكلما نشأ داخل الدولة رجل أو أسرة امتلكت المال، والجند، والنفوذ، والشعبية، بدأت السلطة تنظر إليها بوصفها خطرًا محتملاً، حتى وإن كانت بالأمس أقرب حلفائها.

لقد انتهت دولة البرامكة في ليلة. لكن الدرس الذي تركته بقي قرونًا. فالنفوذ الذي لا تحده حدود الدولة، قد يتحول من مصدر قوة إلى سبب للهلاك. وهكذا، بقي هارون الرشيد على عرش الخلافة، وواصلت بغداد ازدهارها، لكن السنوات التالية لم تكن هادئة كما ظن الناس.

فبينما كانت الإمبراطورية تبدو في أوج قوتها، كانت مشكلة أخرى تنمو داخل البيت العباسي نفسه. مشكلة لن تتعلق بوزير أو قائد. بل بورثة العرش. ومن قلب هذا الصراع، ستشتعل واحدة من أخطر الفتن في تاريخ الدولة العباسية، فتدخل بغداد مرحلة عصيبة، ويتحول الصراع من صراع على النفوذ. إلى صراع على الخلافة نفسها.

وهنا تبدأ قصتنا القادمة: الأمين والمأمون، حين اقتتل أبناء الرشيد على عرش الخلافة..

زر الذهاب إلى الأعلى