ثقافة وفنمقالاتمنوعات

الحكاية الشعبية في ثوبها الجديد, بقلم: نوران أحمد

 

الحكاية الشعبية في ثوبها الجديد

 

بقلم: نوران أحمد

حين يكون صوت العادات والتقاليد أعلى من صوت المرأة ، تكمن هنا المشكلة.
تقع شفيقة في عشق أبن الأكابر بينما هي فتاة بسيطة ريفية ، يوهمها بالحب ويغريها ثم يخذلها ويدفعها إلى السقوط في حفرة سوداء لم تخترها ، ويتركها وحدها في مواجهة المصير . وحين يعثر عليها شقيقها متولي ، لا يراها كضحية ، بل يراها كخطيئة يجب محوها إلى الأبد . والجريمة الكبرى حقاً هي أن المجرم لا يدان ، بل يختفي وتخفف عنه العدالة والنفوذ شدة العقاب ، وتتحول الأخت المسكينة إلى ذبيحة لإرضاء الذكور ، وضحية لإسكات العادات والتقاليد .

إن روعة عرض “شفيقة ومتولي ” لا تكمن فقط في انه يناقش قضايا حدثت وما زالت تحدث بالفعل ، ولا أنه ينحاز بوضوح إلى شفيقة ، بل انه يدين وبشدة الذكورية والسعي وراء إرضاء الغير .
انه لا يقول إن شفيقة ليست مذنبة ، ولكنه يسلط الضوء على ما هو اكبر من الخطأ؛ ما يحدث بعد الخطأ ، لم يكن القتل هو الحل الوحيد والعقاب لما فعلته شفيقة ، حتى ولو أخطأت شفيقة ، فمن دفعها إلى هذا منذ البداية هو المجتمع ، هو عدم سماع قولها ورأيها ورغبتها ، هو تهميشها كإنسانة وتجاهلها .

لا تعد الحكاية مجرد حكاية أخ وأخت وشرف، الحكاية أعمق بكثير فهي حكاية بين الإنسان وضميره ، والمرأة والمجتمع ، والحب والوهم. والسؤال الذي يطرح نفسه حقًا هو : هل كانت شفيقة حقًا ضحية المجتمع أم ضحية نفسها وقلبها؟.
أما لمتولي فهو رجل لا تتملكني الشفقة تجاهه، لقد رحل كثيرًا وتأخر كثيرًا حتى بات لا يعلم من هي شفيقة، بهفو رجل ينهشه الإدراك المتأخر.

واحدة من أذكى تقنيات هذا العرض أننا لا نرى الأحداث من الخارج فقط بل نراها من عقل متولي أيضاً، نحن لا نرى متولي قبل ارتكاب الجريمة بل نراه بعد ارتكابها ، رأيناه في اشد اللحظات ، لحظات أقوى وأعنف من أي حكم . أداء محمد فريد جاء حقاً فريداً من نوعه ، جاء في حضور مكسور وأنفاس ثقيلة ، خرج من السجن ليعيش مسجونًا داخل نفسه إلى الأبد .

أما شفيقة لم تكن شخصية واحدة بل كانت رحلة فتاة منذ طفولتها في جسد الطفلة ” دالا حربي ” ألى المراهقة في جسد ” منة اليماني ” إلى أخيراً الفتاة اليافعة في دور “يسرا المنسي ” .

لم يكن العرض متوقف على البطلين فقط (شفيقة ومتولي ) بل امتد بكل صدق ألى (الضبع الخسيس) كما اطلق عليه متولي والذي قدمه احمد عودة ، لم يكن مجرد عاشق ، بل كان تجسيداً للنذالة والوهم والخذلان .
وابن العم ،بأداء إسلام مصطفى جاء كصوت العادات والتقاليد واللسان الذي ينطلق بالنميمة.

أما الأب الذي جسده صلاح السيسي، كان حضوراً ثقيلاً ورمزاً للسلطة في البداية ثم قلة الحيلة في النهاية حين اشتعل رأسه شيباً ، أما ابنة العم الذي قامت بدورها تقى طارق ، كانت شاهداً على ضياع شفيقة وكانت تجسيداً للعادات الصارمة التي لا ترحم.

ومن أكثر ما ادهشني هو التعبير الحركي ، كان تجسيداً مهيباً للمشاعر والانفعالات وكأنك ترى بوضوح ما يدور في خُلد الممثلين ، وهذه الأرجوحة تحديدًا هي ما تركت بداخلي أثراً لا يزول ، فهي تحمل بقايا طفولة ممزقة ، وبقايا شابة يافعة لم تحظى بحياة كما أرادت .

والمخرج أمير اليماني ليس مجرد تقديم عرض رائع ، بل إعادة تقديم حكاية برؤية مختلفة ليُفتح العقول ويوسع الأٌفق لنرى العدالة بشكل مختلف ونصدر الأحكام برؤية أخرى .

“متولي وشفيقة ” ليس مجرد عرض مسرحي ، لا عن قرية قديمة أو زمن قديم انتهى ، ولكنه عن الآن ، عن مجتمع لازال يحمل السكين ثم يجبر أضحية على الصمت .

كل الشكر والتقدير لصُناع هذا العمل والمقيمين عليه .

زر الذهاب إلى الأعلى