الدين و الحياةمقالات

الخليفة الذي سلَّم الأمانة لمن يستحقها

كيف غيّر سليمان بن عبد الملك مجرى التاريخ بقرار واحد؟

 

الخليفة الذي سلَّم الأمانة لمن يستحقها

كيف غيّر سليمان بن عبد الملك مجرى التاريخ بقرار واحد؟

 

بقلم / محمد مصطفى كامل

ليست كل القرارات التي تغيّر التاريخ تُتخذ في ميادين القتال.

فبعضها يولد في لحظات هادئة، بعيدًا عن صخب الجيوش، حين يدرك قائدٌ أن ما سيتركه بعد رحيله قد يكون أعظم أثرًا مما صنعه في حياته.

فكم من ملوك وسّعوا حدود دولهم، ثم ضاعت إنجازاتهم بعد موتهم لأنهم أخطأوا اختيار من يحمل الراية من بعدهم.

وكم من حاكم لم يُعرف بكثرة فتوحاته، لكنه غيّر مجرى التاريخ بقرار واحد، ظل أثره حاضرًا عبر القرون.

ولهذا، فإن التاريخ لا يخلّد الرجال بما أنجزوه في حياتهم فحسب، بل بما تركوه للأجيال من بعدهم.

وفي الدولة الأموية، وبعد أن بلغت أوج قوتها واتساعها، كانت تقف أمام مفترق طرق جديد.

فقد أصبحت إمبراطورية مترامية الأطراف، تمتلك جيشًا قويًا، وإدارة راسخة، واقتصادًا مستقرًا، لكن المحافظة على هذا البناء لم تكن أقل صعوبة من تشييده.

وكانت المرحلة المقبلة تحتاج إلى قائد يدرك أن مسؤولية الحكم لا تبدأ عند اعتلاء العرش، بل تمتد إلى اختيار من سيجلس عليه بعده.

الخليفة الذي سلَّم الأمانة لمن يستحقها

كيف غيّر سليمان بن عبد الملك مجرى التاريخ بقرار واحد؟

بعد وفاة الوليد بن عبد الملك سنة 96 للهجرة، انتقلت الخلافة إلى أخيه سليمان بن عبد الملك، وفقًا للترتيب الذي كان عبد الملك بن مروان قد وضعه قبل وفاته، حفاظًا على استقرار الدولة ومنع تجدد الصراع على السلطة.

وقد ورث سليمان دولة بلغت ذروة قوتها.

فحدودها امتدت من أطراف الصين شرقًا إلى المحيط الأطلسي غربًا، وجيوشها ترابط في ميادين بعيدة، ومدنها تنعم بازدهار اقتصادي وإداري لم تعرفه منذ قيامها.

ولم يكن أمامه أن ينقذ دولة تتداعى، كما فعل أبوه عبد الملك، ولا أن يعيد فرض هيبتها، كما فعل الحجاج في العراق، بل كانت مهمته مختلفة.

لقد كان عليه أن يحافظ على دولة بلغت القمة.

وهذه المهمة، في كثير من الأحيان، لا تقل صعوبة عن بناء الدولة نفسها.

فعندما تبلغ الأمم ذروة مجدها، يصبح الخطر الحقيقي ليس في ضعفها، بل في شعورها بأن قوتها ستدوم إلى الأبد.

ولهذا، بدأ سليمان عهده محافظًا على الأسس التي أرساها من سبقوه، مع ميل واضح إلى اللين في التعامل مع الناس، وإعادة النظر في بعض السياسات التي أثارت الجدل في أواخر عهد الحجاج وعبد الملك.

وكان يدرك أن الدولة لا تحتاج دائمًا إلى الشدة نفسها التي احتاجتها وهي تواجه الفتن، فلكل مرحلة أدواتها، ولكل زمن رجاله.

ولم يكن سليمان قائدًا عسكريًا من طراز أخيه الوليد، ولا إداريًا صارمًا كأبيه عبد الملك، لكنه امتلك نظرة سياسية جعلته يدرك أن استقرار الدولة لا يتحقق بالقوة وحدها، بل بحسن إدارة الرجال، والقدرة على قراءة المستقبل.

ولهذا، لم يتعامل مع الخلافة بوصفها امتيازًا شخصيًا، بل بوصفها مسؤولية ثقيلة، يجب أن تبقى الدولة بعدها أكثر استقرارًا مما كانت قبله.

وكان العالم من حوله لا يزال يشهد صراعًا بين القوى الكبرى.

فالدولة البيزنطية لم تتخلَّ عن محاولاتها لاستعادة ما فقدته من نفوذ، بينما كانت حدود الدولة الإسلامية تمتد على مسافات هائلة، تتطلب إدارة دقيقة، وجيوشًا منتشرة، وولاة قادرين على حفظ الأمن في أقاليم تختلف في لغاتها وثقافاتها وأعراقها.

وفي مثل هذه الظروف، لم يكن يكفي أن يكون الخليفة حاكمًا، بل كان عليه أن يكون حارسًا لمشروعٍ حضاري كامل، بدأ قبل عقود، وأصبح اليوم مسؤولًا عن استمراره.

غير أن سليمان كان يحمل حلمًا أكبر من مجرد الحفاظ على ما ورثه.

كان يريد أن يحقق إنجازًا عسكريًا يضع اسمه في سجل أعظم الفاتحين، ويحقق أمنية راودت المسلمين منذ السنوات الأولى للدولة الإسلامية…

فتح القسطنطينية.

ومن هنا بدأت واحدة من أكثر الحملات العسكرية طموحًا في التاريخ الأموي، حملة لم تكن تستهدف مدينة عادية، بل العاصمة التي استعصت على جيوش المسلمين منذ عهد الخلفاء الراشدين، وظلت تمثل رمزًا للقوة البيزنطية، وحلمًا يراود كل خليفة يتطلع إلى كتابة اسمه في صفحات المجد.

لم تكن القسطنطينية مدينةً كسائر المدن.

فمنذ قيام الدولة الإسلامية، بقيت أسوارها الشاهقة تمثل رمزًا لصمود الإمبراطورية البيزنطية، وغايةً تطمح إليها أنظار الخلفاء والقادة. ولم يكن فتحها يعني السيطرة على مدينة كبيرة فحسب، بل كان يعني توجيه ضربة إلى واحدة من أقوى إمبراطوريات العالم آنذاك، وإعلان مرحلة جديدة في ميزان القوى.

ولهذا، قرر سليمان بن عبد الملك أن يوجه إليها أكبر حملة شهدتها الدولة الأموية.

وأسند قيادة الجيش إلى أخيه مسلمة بن عبد الملك، أحد أبرز القادة العسكريين في ذلك العصر، وجهزه بجيش ضخم وأسطول بحري كبير، آملًا أن يحقق ما عجزت عنه الحملات السابقة.

وضربت الجيوش الإسلامية الحصار على القسطنطينية، وبدت المدينة لأول مرة وكأنها تواجه خطرًا حقيقيًا.

لكن التاريخ كثيرًا ما يثبت أن قوة الجيوش ليست وحدها من تحسم المعارك.

فقد واجه المسلمون شتاءً قاسيًا لم يألفوه، ونقصًا في الإمدادات، كما استخدم البيزنطيون دفاعاتهم البحرية وسلاحهم المعروف بالنار الإغريقية، الذي ألحق خسائر كبيرة بالأسطول الإسلامي.

ومع مرور الشهور، أدركت القيادة الإسلامية أن استمرار الحصار سيكلف الدولة أثمانًا باهظة، فصدر القرار بإنهاء الحملة والعودة.

ورغم أن الحصار لم يحقق هدفه العسكري، فإنه كشف عن قدرة الدولة الأموية على حشد إمكانات هائلة، وأظهر أنها أصبحت قوة تنافس أكبر إمبراطوريات العالم، حتى وإن بقيت القسطنطينية عصية على الفتح في ذلك الزمن.

وفي الداخل، لم تتوقف عجلة الدولة.

فقد استمرت الإدارة في أداء دورها، واستمرت طرق التجارة تربط أطراف الإمبراطورية، وبقيت حركة العمران والاقتصاد مزدهرة، مستفيدة من الأسس التي أرساها عبد الملك بن مروان، ومن الاستقرار الذي تحقق في عهد الوليد.

لكن سليمان، وهو يتابع شؤون الدولة، كان يدرك أن التحديات المقبلة لن تكون كلها عسكرية.

فالدولة التي امتدت حدودها إلى هذا الحد أصبحت تحتاج إلى ما هو أكثر من الانتصارات.

كانت تحتاج إلى قيادة تحفظ تماسكها، وتمنح الناس الثقة بعدل الحكم، وتضمن أن تبقى مؤسساتها قوية بعد رحيل الخلفاء.

ومع تقدمه في المرض، بدأ يفكر في السؤال الذي يواجه كل حاكم !

من يحمل هذه الأمانة بعدي؟

وكان الجواب هذه المرة أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.

فالعادة التي استقرت داخل البيت الأموي كانت تميل إلى انتقال الخلافة بين أبناء الأسرة الحاكمة وفق ترتيباتها السياسية.

وكان كثيرون يتوقعون أن يسير سليمان على النهج نفسه.

غير أن الرجل كان ينظر إلى المستقبل بعين مختلفة.

فقد رأى أن الدولة، بعد أن بلغت ذروة اتساعها، لم تعد في حاجة إلى قائد يضيف إليها أراضي جديدة بقدر حاجتها إلى رجل يعيد ترسيخ العدل بين أهلها، ويقوي ثقة الناس بدولتهم.

وكان هناك اسم يتردد في ذهنه أكثر من غيره.

رجل عرفه الناس بورعه، وعلمه، ونزاهته، وبعده عن مظاهر الترف، حتى وهو أحد أبناء البيت الأموي.

ولم يكن هذا الرجل قائدًا للجيوش، ولا صاحب نفوذ قبلي واسع، لكنه امتلك شيئًا أدرك سليمان أن الدولة أصبحت في أمسّ الحاجة إليه!

ثقة الناس.

ومن هنا، بدأ سليمان بن عبد الملك يفكر في القرار الذي سيصبح أعظم ما يُذكر به في كتب التاريخ، القرار الذي لم يغيّر مستقبل الأسرة الأموية فحسب، بل ترك أثرًا في تاريخ الحكم الإسلامي كله.

لكن القرارات العظيمة لا تُقاس بما تحدثه في يوم صدورها، بل بما تتركه من أثر بعد سنوات طويلة.

ومع اشتداد مرض سليمان بن عبد الملك، أدرك أن أيامه في الحكم أصبحت معدودة، وأن الدولة التي بلغت ذروة قوتها تقف أمام اختبار جديد. فلم يعد السؤال من يملك الحق في الخلافة؟ بل أصبح من هو الأقدر على حمل هذه الأمانة؟

كانت الأنظار تتجه نحو أبناء البيت الأموي، كما جرت العادة، غير أن سليمان كان يرى أبعد من مجرد استمرار الحكم داخل الأسرة. فقد أدرك أن الإمبراطورية التي امتدت من حدود الصين إلى المحيط الأطلسي لم تعد تحتاج إلى قائد يضيف إليها أرضًا جديدة، بقدر حاجتها إلى رجل يعيد التوازن بين قوة الدولة ورسالتها.

وفي تلك الأيام، برز اسم عمر بن عبد العزيز.

لم يكن عمر أكثر الأمراء نفوذًا، ولا أشهرهم في ميادين القتال، لكنه كان معروفًا بين أهل عصره بالعلم، والورع، وحسن الإدارة، والعدل في القضاء، حتى اكتسب احترام العلماء والعامة معًا.

وتذكر المصادر التاريخية أن سليمان استشار عددًا من خاصته، وكان من أبرز من أشار عليه بذلك ،العالم الصالح رجاء بن حيوة، الذي رأى في عمر الرجل الأقدر على قيادة الدولة في تلك المرحلة. وبعد تفكير، كتب سليمان عهده، وجعل الخلافة من بعده لعمر بن عبد العزيز، ثم من بعده ليزيد بن عبد الملك، حفاظًا على استقرار الدولة، وجمعًا بين المصلحة السياسية وما رآه أصلح للمسلمين.

ولم يكن هذا القرار عاديًا.

ففي تاريخ الدول، كثيرًا ما تغلب اعتبارات القرابة والطموح الشخصي على اعتبارات الكفاءة. أما سليمان، فقد قدّم في هذه اللحظة الفارقة ما رآه مصلحة للدولة على غيرها، وهو ما جعل اسمه يقترن في ذاكرة التاريخ بذلك القرار أكثر من اقترانه بأي إنجاز آخر.

وفي سنة 99 للهجرة، توفي سليمان بن عبد الملك، بعد حكم لم يدم سوى نحو ثلاث سنوات.

كانت مدة قصيرة بمقياس الزمن، لكنها كانت كافية ليترك أثرًا امتد إلى ما بعدها بسنوات، لأن بعض الخلفاء يخلدهم طول حكمهم، بينما يخلد آخرين حسن اختيارهم.

وهكذا، انتقلت الخلافة إلى عمر بن عبد العزيز.

ولم يكن انتقالًا بين رجلين فحسب، بل كان انتقالًا بين مرحلتين من تاريخ الدولة الأموية.

مرحلة بلغت فيها الدولة أوج قوتها العسكرية والسياسية.

ومرحلة ستسعى إلى أن تجعل العدل والإصلاح عنوانًا لقوتها.

لقد أعاد عبد الملك بن مروان بناء الدولة.

وثبت الحجاج بن يوسف أركانها في أكثر أقاليمها اضطرابًا.

وبلغت في عهد الوليد بن عبد الملك أقصى اتساع عرفته.

ثم جاء سليمان بن عبد الملك ليؤدي دورًا قد يبدو أقل صخبًا، لكنه كان بالغ الأثر؛ إذ هيأ الطريق لمرحلة جديدة، وأدرك أن الدولة التي نجحت في حماية حدودها، تحتاج أيضًا إلى من يحمي قيمها.

ولعل أعظم ما نتعلمه من هذه المرحلة أن التاريخ لا يصنعه أصحاب السيوف وحدهم، بل يصنعه أيضًا أصحاب القرارات الحكيمة.

فقد يفتح قائد مدينة، فيتذكره الناس سنوات.

وقد يتخذ آخر قرارًا صائبًا، فيغير به مسار أمة لقرون.

ومن هنا، تبدأ واحدة من أكثر الصفحات إشراقًا في التاريخ الإسلامي.

صفحة رجل لم يشتهر بكثرة الفتوحات، ولا بضخامة الجيوش، بل اشتهر لأن الناس رأوا في عهده صورةً للحاكم الذي جعل العدل أساس الحكم، وردَّ المظالم، وقرب العلماء، وجعل مسؤولية الخليفة خدمةً للأمة قبل أن تكون سلطةً عليها.

ذلك الرجل هو عمر بن عبد العزيز.

وفي الفصل القادم من سلسلة التاريخ من وراء الستار .

الخليفة الذي أعاد روح الخلافة الراشدة

كيف استطاع عمر بن عبد العزيز، في سنوات قليلة، أن يترك أثرًا جعل اسمه يُذكر كلما ذُكر العدل، حتى لقبه كثير من العلماء والمؤرخين بخامس الخلفاء الراشدين؟

 

زر الذهاب إلى الأعلى