الزواحف ليست الغزاة.. بل ضحايا التغيرات المناخية
بقلم: د. رشا ربيع الجزار
باحثة أكاديمية في التربية البيئية وكاتبة علمية متخصصة في التغيرات المناخية والتوعية البيئية.
في كل صيف تتجدد مشاهد ظهور الثعابين والعقارب وغيرها من الزواحف في بعض المناطق السكنية والزراعية، فتتصدر عناوين الأخبار ومنصات التواصل الاجتماعي، وتنتشر معها تفسيرات متباينة يغلب عليها الخوف أكثر من المعرفة. وبين الحديث عن “غزو الزواحف” والتحذيرات المتداولة، يظل السؤال الأهم: هل تغيرت الزواحف، أم أن البيئة التي تعيش فيها هي التي تغيرت؟
العلم يقدم إجابة مختلفة؛ فالزواحف لا تهاجر إلى المدن بدافع العدوان، وإنما تستجيب لتغيرات بيئية متسارعة فرضتها أزمة المناخ العالمية. فهذه الكائنات، باعتبارها من ذوات الدم البارد، تعتمد بصورة مباشرة على حرارة البيئة لتنظيم نشاطها، لذلك فإن أي تغير في درجات الحرارة أو معدلات الأمطار أو الرطوبة ينعكس على سلوكها وحركتها وانتشارها.
وخلال السنوات الأخيرة، شهد العالم ارتفاعًا غير مسبوق في درجات الحرارة، إلى جانب موجات حر طويلة، وتراجع في معدلات الأمطار في بعض المناطق، وتغير في طبيعة الغطاء النباتي. هذه التحولات تدفع كثيرًا من الكائنات البرية إلى مغادرة موائلها الطبيعية بحثًا عن الماء أو الغذاء أو أماكن أكثر ملاءمة، فتزداد فرص ظهورها بالقرب من التجمعات السكانية.
ولا يمكن إغفال تأثير التوسع العمراني الذي امتد إلى مناطق كانت في الأصل موائل طبيعية للحياة البرية. ومع تقلص المساحات المفتوحة وتجزئة البيئات الطبيعية، أصبح الاحتكاك بين الإنسان والزواحف أكثر تكرارًا. ومن ثم، فإن ما يبدو للبعض “غزوًا” ليس سوى نتيجة مباشرة لاختلال التوازن البيئي وتغير استخدامات الأراضي.
كما أن تغير المناخ لا يؤثر فقط في أماكن وجود الزواحف، بل قد يغير توقيت نشاطها ودورات تكاثرها وانتشار فرائسها، وهو ما يعيد تشكيل العلاقات داخل النظام البيئي بأكمله. ولذلك، فإن ظهور الزواحف في مناطق جديدة يعد أحد المؤشرات البيئية التي تستحق الرصد والدراسة، وليس مجرد حادثة موسمية عابرة.
ورغم المخاوف التي تثيرها بعض أنواع الزواحف، فإنها تؤدي دورًا بيئيًا بالغ الأهمية، إذ تسهم في الحد من أعداد القوارض والحشرات، وتحافظ على التوازن داخل السلسلة الغذائية. ولهذا فإن القضاء العشوائي عليها قد يؤدي إلى نتائج عكسية، ويزيد من اختلال النظم البيئية.
إن التعامل مع هذه الظاهرة يجب أن يقوم على العلم لا الشائعات، وعلى الوقاية لا الذعر. ويبدأ ذلك بتعزيز برامج الرصد البيئي، والتوعية المجتمعية، والحفاظ على الموائل الطبيعية، ودعم الدراسات التي ترصد تأثيرات التغيرات المناخية على التنوع البيولوجي، بما يسهم في حماية الإنسان والطبيعة معًا.
لقد أصبحت التغيرات المناخية واقعًا يفرض نفسه في تفاصيل حياتنا اليومية، ولم تعد آثارها تقتصر على موجات الحر أو السيول، بل امتدت لتعيد رسم خريطة توزيع الكائنات الحية وسلوكها. ومن هنا، فإن ظهور الزواحف بالقرب من الإنسان ليس قصة رعب، بل رسالة بيئية تؤكد أن الطبيعة تتغير بوتيرة متسارعة، وأن مسؤوليتنا اليوم هي فهم هذه الرسائل والتعامل معها بعلم ووعي، لأن حماية البيئة تبدأ من احترام قوانينها، والحفاظ على توازنها، قبل أن تتحول التحذيرات إلى أزمات يصعب احتواؤها.






