الشهيد سيد زكريا خليل.. ابن الأقصر وبطل الصاعقة في ملحمة البطولة
كان الشهيد سيد زكريا خليل واحدًا من أبناء صعيد مصر، من قرية البياضية بضواحي مدينة الأقصر، وُلد عام 1949م.
وعندما وقعت نكسة يونيو 1967، كان سيد شابًا صغيرًا، تابع ما جرى بحزن شديد، شأنه شأن أبناء الشعب المصري. وتروي الرواية أنه عبّر لأخيه الأكبر محمود عن دهشته من قدرة إسرائيل على تحقيق التفوق في مواجهة مصر، متسائلًا كيف لكيان صغير أن تكون له الغلبة على أمة عريقة بتاريخها وإمكاناتها.
لكن مرارة الهزيمة لم تمر عليه مرورًا عابرًا؛ فقد تحولت داخله إلى إصرار على استعادة الكرامة والأرض.
ومع مرور السنوات، أصبح سيد واحدًا من رجال القوات المسلحة الذين حملوا على عاتقهم مهمة الدفاع عن الوطن واستعادة الأرض.
الكمين.. ساعات من السكون والترقب
في مسرح العملية، بدأ رجال الصاعقة المصرية تجهيز الأرض بما يتناسب مع طبيعة المهمة، مستفيدين من الثنيات والانخفاضات الطبيعية للاختباء، وقاموا بتخزين الذخائر في أماكن آمنة خلف الصخور، بينما استخدموا أعشاب المنطقة لزيادة التمويه وإخفاء خوذاتهم وملابسهم عن أعين العدو.
ومنذ ساعات الصباح، ظل الرجال في حالة كاملة من السكون والحذر والترقب؛ لا حركة تلفت الأنظار، ولا صوت يمكن أن يكشف مواقعهم.
حتى جاء عصر ذلك اليوم، حين بدأت أصوات جنازير الدبابات تقترب من جهة الشرق، تتقدمها طائرة هليكوبتر لتأمين الطريق.
ومع اقتراب مدرعات العدو والطائرة، ظل رجال الصاعقة في مواقعهم دون حركة، بينما واصلت قوات العدو تقدمها دون أن يبدو عليها أنها اكتشفت الكمين.
كان حسن انتشار رجال الصاعقة، ودقة تمويههم، ورباطة جأشهم، عوامل حاسمة في إخفاء مواقعهم، رغم اقتراب الخطر لحظة بعد أخرى.
المواجهة تبدأ
تروي الرواية أن العدو، بعد أن تكبد خسائر في مدرعاته، عاد بقوة أكبر في محاولة لتطويق رجال الصاعقة.
وما هي إلا لحظات حتى ظهرت طائرتا هليكوبتر للعدو، فتحتا نيران رشاشاتهما باتجاه مواقع المصريين، بينما تقدمت خلفهما مجنزرتان تحملان قوة من القوات الخاصة الإسرائيلية.
بدأت طائرات الهليكوبتر في مناوشة رجال الصاعقة لتوفير الغطاء لقواتها الخاصة، ورد أبطال الصاعقة على النيران.
وفي لحظة حاسمة، برز سيد زكريا من خلف إحدى الصخور، وتمكن ـ وفقًا للرواية ـ من إصابة إحدى الطائرتين بقاذف صاروخي، بينما ابتعدت الأخرى عن موقع الاشتباك.
خرج جنود العدو من المجنزرتين باتجاه المنطقة الصخرية، تسبقهم نيران الرشاشات الثقيلة.
المعركة الأخيرة
كان ما تبقى من رجال الصاعقة يمتلك ذخيرة محدودة، وسرعان ما نفدت ذخيرتهم، بينما ظل الجزء الأكبر من القوة المهاجمة بكامل تسليحه.
أما سيد زكريا، فكانت لا تزال بحوزته خزنتان لبندقيته الآلية.
وحين حاول العدو تمشيط المنطقة، حوّل سيد بندقيته إلى وضع الإطلاق الفردي، حتى لا يهدر رصاصة واحدة دون ضرورة.
وبفضل سرعة تحركه بين الصخور وحسن اختفائه، تمكن ـ بحسب الرواية ـ من إلحاق خسائر بالقوة المهاجمة، التي بدأ أفرادها في السقوط واحدًا تلو الآخر.
وتروي القصة أنه استخدم سلاحه الأبيض كذلك ضد من اقترب من مكمنه.
وبعد فترة من القتال، هدأت أصوات الطلقات، وخيّم الصمت على المكان.
انتظر سيد برهة، ثم خرج بحذر من مكمنه ليستطلع ما حوله، فلم يرَ سوى جثامين رفاقه من رجال الصاعقة، بينما تناثرت حولها جثث وأشلاء من جنود القوة المهاجمة.
بدأ الظلام يزحف على المكان.
تحرك سيد ببطء وحذر، بعدما أدى مهمته في منع قوات العدو من عبور الممر الجبلي طوال اليوم.
وبعد أن تأكد من خلو المكان من أي حركة، حمل بندقيته الآلية واتجه نحو الممر عائدًا إلى القوات المصرية، ولم يتبقَّ في بندقيته سوى طلقتين.
النهاية.. والتحية العسكرية
لكن القدر كان قد كتب نهاية أخرى.
أثناء سيره، مر سيد بجوار حفرة كان يختبئ فيها أحد الجنود الإسرائيليين. وما كاد يتجاوزها حتى باغته الجندي بإطلاق عدة طلقات من الخلف، فسقط سيد شهيدًا.
وتروي الرواية أن الجندي الإسرائيلي اقترب منه بحذر، ثم أدرك أن الجندي المصري الذي أمامه قد فارق الحياة.
وبحسب القصة المتداولة، أخذ الجندي بطاقة الشهيد من جيبه، ثم وقف أمام جثمانه في وضع الانتباه، مؤديًا التحية العسكرية، في مشهد قالت الرواية إنه جاء تقديرًا لشجاعة الجندي المصري وصموده في مواجهة القوة المهاجمة.
ثم خيّم الظلام على المكان…
ورحل سيد زكريا خليل، ابن الأقصر وصعيد مصر، بعدما ارتبط اسمه برواية من روايات البطولة والتضحية التي تُروى عن رجال الصاعقة المصرية.
رحم الله شهداء مصر، الذين قدموا أرواحهم دفاعًا عن الوطن والأرض والكرامة.








