” لفّيت الكرة الأرضية “
رحلة من الحواس إلى المعرفة والإبداع
بقلم: عبد العظيم كحيل (أبو بلال – طرابلس، لبنان)
هل سألت نفسك يوماً: كيف يفكر الإنسان؟ وكيف ينتقل من طفل لا يعرف أسماء الأشياء إلى إنسان يقرأ ويكتب ويخترع ويبدع؟ ومن أين تأتي المعرفة التي تجعلنا فهم ما نراه ونسمعه، ونربط بين الأشياء، ونكتشف ما لم نكن نعرفه؟ أسئلة تبدو بسيطة، لكنها تفتح أمامنا أبواباً واسعة للتأمل في الإنسان والعقل والمعرفة.
أولاً: كيف تبدأ رحلة المعرفة؟
عندما يولد الطفل، لا يولد عالماً بما حوله، لكنه يولد مزوداً باستعدادات فطرية وحواس تساعده على اكتشاف العالم. يبدأ بالتعرف إلى أمه، وإلى الأصوات والألوان والأشياء، ثم يتعلم تدريجياً الحركة والكلام والتواصل. ولو تخيلنا طفلاً حُرم من التواصل مع العالم الخارجي، ولم تتح له فرص التعلم والتفاعل مع محيطه، فكيف سيكتسب اللغة والمعرفة والخبرة؟ إن نمو الإنسان لا يتحقق بمجرد وجوده، بل يحتاج إلى الرعاية والتفاعل والتعلم. فالحواس تنقل إلينا معلومات عن الواقع، والدماغ يعالجها، والذاكرة تحتفظ بجزء منها، ثم تأتي الخبرة والتعلم لتساعدنا على فهم ما نراه ونسمعه ونلمسه. وهنا أصل إلى الفكرة التي أريد توضيحها: عملية التفكير لا تقوم على عنصر واحد، بل تتداخل فيها عوامل أساسية، أرى أن من أهمها أربعة: 1. الدماغ: الذي يعالج المعلومات وينظمها. 2. الحواس: التي تساعدنا على استقبال ما حولنا. 3. الواقع: الذي نتفاعل معه ونحاول فهمه. 4. المعلومات والخبرات السابقة: التي نستعين بها في تفسير ما نواجهه. قال تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئُهم بِأَسْمَائِهِمْ ۖ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ}. هذا هو الأساس الذي بنى عليه الإنسان ألا وهي المعلومات السابقة وبدونه لا يحصل تفكير. هذه العناصر ليست معادلة علمية مغلقة، لكنها مدخل مبسط لفهم كيف تتكون المعرفة، وكيف يستعين الإنسان بما تعلمه سابقاً لفهم ما يراه اليوم.
ثانياً: لماذا لا تكفي الحواس وحدها؟
لنفترض أنك تجيد اللغة العربية والفرنسية، ثم أعطاك أحدهم كتاباً بلغة قديمة لا تعرفها. أنت ترى الكتاب بعينيك، وتستطيع أن تلمسه بيديك، لكن هل تستطيع فهم ما كُتب فيه لمجرد أنك تراه؟ بالطبع لا. فالعين تنقل إليك صورة الكلمات، لكن فهمها يحتاج إلى معرفة سابقة باللغة ورموزها ومعانيها. وهنا يتضح الفرق بين رؤية الشيء وفهمه، وبين استقبال المعلومة والقدرة على تفسيرها. وكذلك لو وضع أحدهم أمامك آلة معقدة، وطلب منك تشغيلها، فقد تكون صاحب شهادة جامعية، لكنك ستقول له: لا أعرف كيف أستخدمها، لأنني لم أتعلم ذلك من قبل. فالشهادة وحدها لا تمنح الإنسان كل المعارف، كما أن امتلاك الحواس لا يعني امتلاك الخبرة.
ثالثاً: الإنسان والحيوان… بين الغريزة والتعلم
وهنا أصل إلى نقطة أراها مهمة في فهم طبيعة الإنسان، قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا}. الحيوان يمتلك دماغاً وحواساً وغرائز، وبعض الحيوانات تتعلم من التجربة، وتكتسب سلوكيات، بل تتعلم من بعضها في ظروف معينة. لكن الإنسان يمتلك قدرة واسعة على بناء المعرفة وتدوينها وتطويرها ونقلها عبر الأجيال، حتى أصبحت لديه علوم وفنون وصناعات ومؤسسات تعليمية لم تكن معروفة عند الأجيال الأولى. ولنأخذ مثالاً بسيطاً: يمكن تدريب حيوان في السيرك على أداء حركة معينة، وقد يتعلمها بالتكرار والمكافأة، لكن الإنسان يستطيع أن يحول ما يتعلمه إلى معرفة يشرحها ويكتبها ويطورها، ثم ينقلها إلى الآخرين. والحيوان لا يحتاج إلى أن يصمم بيتاً، أو يكتب كتاباً، أو يخطط لمستقبل أسرته بالطريقة التي يفعلها الإنسان، فهو يتصرف وفق ما أودع الله فيه من غرائز، وما اكتسبه من خبرات تناسب حياته. أما الإنسان، فقد منحه الله القدرة على التعلم والتفكير والتخطيط والإبداع، وجعل له في المعرفة باباً واسعاً لا يتوقف عند حدود جيل أو عصر. ولذلك لا أرى أن مجرد تعلم الحيوان سلوكاً معيناً يعني أنه يمتلك القدرات الفكرية نفسها التي يمتلكها الإنسان.
رابعاً: من أين جاءت كل هذه المعرفة؟
هنا نصل إلى السؤال الأهم: هل اخترع الإنسان كل شيء وحده؟ وهل يستطيع أي إنسان أن يبدأ حياته من الصفر، ثم يصل وحده إلى ما وصل إليه العالم اليوم؟ قوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}. أمره الله أن يعلمهم بأسمائهم بعد أن عرضهم على الملائكة ليعلموا أنه أعلم بما سألهم عنه تنبيهاً على فضله وعلو شأنه، فكان أفضل منهم بأن قدمه عليهم. إن ما نملكه من علوم ومعارف هو حصيلة جهود أجيال متعاقبة منذ آلاف السنين، فكل جيل يتعلم مما تركه السابقون، ثم يضيف إليه شيئاً جديداً، وينقل ما وصل إليه إلى من يأتي بعده. وهكذا تطورت الكتابة والطب والهندسة والفلك والصناعة والفنون، وتراكمت الخبرات حتى أصبح الإنسان قادراً على الوصول إلى علوم لم يكن يتخيلها أجداده. ولو لم ينقل الإنسان معرفته إلى غيره، لاضطر كل جيل إلى إعادة اكتشاف ما اكتشفه السابقون، ولما وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم. ومن هنا نفهم أهمية التعليم والقراءة والبحث والسؤال، وأهمية أن نفتح أبواب المعرفة أمام الأطفال منذ الصغر.
خامساً: هل تصنع المدرسة وحدها المبدع؟
لا شك أن التعليم المدرسي والجامعي يفتحان أمام الإنسان أبواباً واسعة للمعرفة، ويمنحانه فرصاً للتخصص والبحث والتجربة. فالطفل الذي تتاح له الرعاية والتعليم، ويدخل الحضانة ثم المدرسة، ويتدرج في مراحل التعليم حتى الجامعة، تتوفر له فرص أكبر لاكتساب العلوم والخبرات في مجالات متعددة. لكن هذا لا يعني أن كل من دخل الجامعة سيصبح مبدعاً، أو أن من لم دخلها لا يستطيع أن يتعلم ويبدع. فالإبداع يحتاج إلى موهبة واجتهاد وخبرة وفرص، وقد يكون الإنسان مبدعاً في الطب أو الهندسة أو الأدب أو النجارة أو الزراعة أو أي مهنة يتقنها. وليس كل مبدع مشهوراً، وليس كل صاحب معرفة يحمل شهادة جامعية. هناك أناس لم تتاح لهم فرص التعليم الأكاديمي، لكنهم تعلموا بالقراءة والتجربة والملاحظة والسؤال، وأصبحوا أصحاب خبرة وإبداع في مجالاتهم. وهنا أؤكد أنني لا أتحدث عن الحالات الاستثنائية وحدها، بل عن حق الإنسان في التعلم، وعن قدرته على تطوير نفسه مهما كانت نقطة البداية.
سادساً: عندما تصبح الحواس عائقاً… لا تنتهي رحلة المعرفة
ولعل من أجمل الأمثلة على قدرة الإنسان على التعلم والإبداع، ما نراه عند بعض الذين فقدوا حاسة أو أكثر من حواسهم. فقد استطاع أشخاص فقدوا البصر أو السمع أن يتعلموا ويبدعوا، رغم الصعوبات التي واجهتهم. هيلين كيلر، التي فقدت السمع والبصر في طفولتها، تعلمت التواصل والقراءة والكتابة بمساعدة معلمتها آن سوليفان، وأصبحت أديبة ومحاضرة معروفة. وطه حسين، الذي فقد بصره في طفولته، تابع تعليمه حتى أصبح من كبار الأدباء والمفكرين العرب. وأبو العلاء المعري، الذي فقد بصره صغيراً، ترك تراثاً أدبياً وفلسفياً كبيراً. ولويس برايل، الذي فقد بصره في طفولته، ابتكر نظاماً للقراءة والكتابة بالنقاط البارزة، ساعد ملايين المكفوفين على التعلم. هذه الأمثلة لا تعني أن فقدان الحواس أمر بسيط، أو أن النجاح مضمون لمن يواجه الصعوبات، لكنها تذكرنا بأن الإنسان يستطيع، عندما تتوفر له الوسائل والرعاية والتعليم، أن يجد طرقاً أخرى للتعلم والمعرفة.
سابعاً: لفّيت الكرة الأرضية… من المكتبة إلى غوغل
وهنا أصل إلى عنوان مقالي: عندما أريد معرفة شيء لا أعرفه، ماذا أفعل؟ أبحث عنه، أقرأ، أسأل، وأحاول أن أفهم. في الماضي، كان الباحث أو الكاتب يذهب إلى المكتبة، ويقلب صفحات الكتب والموسوعات والمعاجم، وقد يقضي أياماً في البحث عن معلومة واحدة. وكان يستطيع أيضاً أن يسأل أهل الاختصاص، أو يتوجه إلى عالم أو أستاذ أو صاحب خبرة، وقد قال الله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}. أما اليوم، فقد أصبحت محركات البحث، مثل غوغل، تفتح أمامنا أبواباً واسعة للوصول إلى المعلومات. وبضغطة زر، يستطيع الإنسان أن يقرأ عن بلد بعيد، أو يتعرف إلى شخصية تاريخية، أو يبحث في علم من العلوم، أو يطلع على ثقافات وتجارب مختلفة. وهكذا أستطيع أن أقول إنني لفّيت الكرة الأرضية، لا بقدميّ، بل بعقلي وبحثي وقراءتي. انتقلت من موضوع إلى آخر، ومن بلد إلى بلد، ومن شخصية إلى شخصية، وأنا أجمع المعلومات وأحاول أن أفهمها. لكن هل يعني ذلك أن كل ما نجده على الإنترنت صحيح؟ بالطبع لا. فالمعرفة تحتاج إلى التحقق، والمعلومة تحتاج إلى مصدر موثوق، والباحث الحقيقي لا يكتفي بأن يجد جواباً، بل يحاول أن يعرف مدى صحته.
ثامناً: الذكاء الاصطناعي… أداة جديدة في رحلة المعرفة
واليوم، ظهرت أدوات الذكاء الاصطناعي، فأصبح بإمكان الإنسان أن يسألها، ويناقشها، ويطلب منها شرح فكرة أو تصحيح نص أو ترتيب معلومات. وهنا أعود إلى ما كتبته في مقالي السابق عن الاستعانة المشروعة بالذكاء الاصطناعي. فالآلة لا تمنح الإنسان تجربته الشخصية، ولا تعيش عنه حياته، ولا تشعر بدلاً منه بألمه وفرحه، لكنها تستطيع أن تساعده في البحث والتنظيم والتوضيح، وتوفر عليه بعض الوقت والجهد. والإنسان الواعي هو الذي يستفيد من هذه الأدوات، دون أن يتخلى عن عقله أو مسؤوليته أو حقه في التحقق من المعلومات. فكما استعان الكاتب قديماً بالمكتبة والمعجم والمراجع، يستطيع اليوم أن يستعين بالأدوات الحديثة، بشرط أن يبقى هو صاحب الفكرة والقرار والمسؤولية.
تاسعاً: وأنا… طفل يحبو في السبعين
وهنا أصل إلى نفسي: أنا عبد العظيم كحيل، الذي غادر المدرسة في طفولته، ولم تتاح له فرصة متابعة التعليم الأكاديمي كما يتمنى، لكنني لم أغادر طريق المعرفة. تعلمت من القراءة، ومن البحث، ومن السؤال، ومن متابعة الأخبار والوثائقيات، ومن مراقبة الحياة وما يدور حولي. وكلما وجدت فكرة لا أفهمها، حاولت أن أبحث عنها، وأسأل، وأتعلم. واليوم، وأنا في السبعين من عمري، ما زلت أكتب وأتعلم، وما زلت أعتبر نفسي طفلاً يحبو في طريق المعرفة. لا أقول ذلك تعظيماً لنفسي، ولا ادعاءً بأنني وصلت إلى ما لم يصل إليه غيري، بل لأنني أؤمن بأن الإنسان مهما تعلم، يبقى أمامه الكثير ليتعلمه.








