الدين و الحياةالمراة و منوعاتمقالاتمنوعات

الهشاشة الأنثوية. نسرين المشاعلة

 الهشاشة الأنثوية

بقلم: نسرين المشاعلة

 

لا تولد النساء كائنات ضعيفة، بل يُعلَّمن الضعف.” — سيمون دي بوفوار

المرأة التي لم تتعلَّم كيف تتكئ على ذاتها، ولم تُمنح أدوات النجاة النفسية، تصبح هشّة أمام أي صدمة، لأن ما زُرع فيها لم يكن سوى الإحساس بالنقص والخوف والتبعية، والشك في الذات. في هذه اللحظة، هناك أرواح هشة في عالمنا العربي، مثل أوراق خريفٍ متعبة، قررت أن تسق كما تسقط الأوراق عن الشجرة، لكنه سيكون سقوطًا مدويًا، ومن علو كافٍ ليهشم أجسادهن، يخلف رحيلهن قلوبًا حزينة وعيونًا باكية تبحث عن معنى لما حدث. فتيات بعمر الورود يمنحن أجسادهن للأسفلت تحت وطأة ضغوط لم يجدن لها متنفسًا، وهناك امرأة اختارت في لحظة يأس أن تنهي حياتها وحياة أطفالها الصغار، وستبقى الدوافع غير مقنعة للمنطق.

هذه الحوادث ليست مجرد أرقام أو أخبار عابرة، بل هي إنذار حقيقي لصرخات مكتومة من نساء وشابات يئنّ تحت ثقل المجتمع، والواجبات، والآمال غير المحققة. تزداد هذه الحالات بشكل مخيف، وكأن هشاشة النساء تتراكم وتتسع دون أن يكترث لها أحد.

ربما يبدأ الأمر من فكرة خفية تسكن اللغة قبل أن تسكن العقول، تتشكل في عبارات نرددها دون أن ننتبه لثقلها، فكرة تقول للمرأة منذ طفولتها: أنتِ ضعيفة، أنتِ نصف، تنتظرين نصفك الآخر، وجودك مؤجل، وقيمتك معلّقة على حضور أحد، رجل يأتي ليمنحك تعريفك النهائي… ومن هنا يبدأ الخلل.

نا لستُ نصفًا لأحد، ولستُ مشروع اكتمالٍ مؤجل. أنا كائنٌ مكتمل منذ اللحظة الأولى التي ولدت فيها. لا أؤمن بفكرة الأنصاف، وفي ذات الوقت لا أرى نفسي ندًا للرجل في معركة وهمية، ولا أتبنى خطابًا يصنع خصومة بدل أن يعالج الجذر. أنا أنتمي إلى إنسانيتي أولًا، إلى ذاتي التي تستطيع أن تحب دون أن تذوب، وأن تحتاج دون أن تنهار، وأن تخسر دون أن تنتهي.

قد يكون قلب الرجل وطنًا، وقد يكون بيتي وسقفي، الأمان والسند… أحتاجه، نعم، كحضور إنساني لا كضرورة وجودية، كرفيق لا كمنقذ، كاختيار لا كقدر مفروض. لكنني في الوقت ذاته أستطيع أن أعيش بدونه، ليس لأنني أقوى منه، بل لأنني أدركت أنني مكتملة قبله، وأن الإنسان لا يُمنح قيمته من الخارج، بل يصنعها بنفسه، في وعيه، في صلابته، وفي قدرته على الوقوف حين يسقط كل شيء من حوله.

ولكن ليست كل النساء تملك هذا الوعي. ولو أن كل امرأة أدركت هذه الحقيقة البسيطة والعميقة، لما رأينا هذا الكم الصامت من الألم، ولما تحولت العلاقات إلى سجون عاطفية، ولما أصبح الفقد نهاية، ولما صار الخذلان حكمًا بالإعدام على الروح، ولما تزايدت حالات الانتحار بين النساء في مجتمعاتنا العربية، وكأن الحياة يمكن أن تُختصر في رجل غاب، أو خيانة حدثت، أو علاقة انتهت.

بالطبع، المأساة أعمق من ذلك وأكثر تشعبًا، فهي لا تبدأ عند الرجل ولا تنتهي عنده، إنها تمتد إلى كل زاوية في حياة المرأة، إلى الضغط الاجتماعي الذي يخنقها باسم العيب، إلى الأحكام الجاهزة التي تلاحقها أينما ذهبت، إلى التوقعات الثقيلة التي تُحمَّلها منذ الصغر، كأن تكون مثالية، صابرة، متحملة، صامتة، وأن تبتلع ألمها كي لا تُزعج أحدًا، حتى يتحول هذا الصمت مع الوقت إلى اختناق داخلي لا يُحتمل.

تتراكم الخيبات الصغيرة قبل الكبيرة، ضغوط الدراسة، قسوة العمل، الفقر، العنف الأسري، التنمر، المقارنة المستمرة، الشعور بعدم الكفاية… كل ذلك يتراكم طبقة فوق طبقة داخل نفس لم تُعلَّم غير الهشاشة والضعف والهروب، نفس اعتادت وجود المنقذ سواء كان الأب أو الأخ أو الزوج. وفي حال غياب أحدهم، أو عدم التعاطف أو الاحتواء، تضيق الدوائر كلها، وتضيق الحياة، إلى أن تصبح الحياة نفسها عبئًا ثقيلًا لم تعتد احتماله، ويظهر الانتحار في لحظة ضعف قاسية، كخيار وحيد للهروب من الألم والمعاناة.

المشكلة ليست في المرأة بقدر ما هي في الأفكار التي تُزرع فيها منذ الصغر، في ذلك التأسيس المشوّه الذي يعلّمها أنها كائن ناقص، أو يدفعها إلى نقيض آخر لا يقل تشوهًا، كأن تكون “مسترجلة”، بمعنى أن تتخلى عن أنوثتها، أن تسترجل لتثبت أنها ليست ضعيفة، وكأن القوة حكر على هيئة واحدة أو سلوك واحد، بينما الحقيقة أن القوة الحقيقية هي أن تكون نفسها بلا أقنعة، بلا مبالغة، بلا إنكار لضعفها ولا خضوع له.

القوة ليست ضد العاطفة، وليست نفيًا لها، هي القدرة على احتواء الألم والمعاناة دون أن يغرقنا، أن تبكي المرأة دون أن تنكسر، أن تحب دون أن تفقد نفسها، وأن تُربّي أجيالًا وهي واقفة على أرض صلبة، لا على فراغ داخلي ينتظر من يملؤه.

المرأة التي تُنشّأ على أنها ناقصة ستبحث طوال حياتها عمّن يكملها، وإذا رحل، رحلت معه، وإذا خذلها، انهارت.

كيف يمكن لامرأة هشّة أن تُربّي جيلًا قويًا؟ وكيف لروح تُهزم عند أول خسارة أن تُنشئ أبناء يعرفون كيف يواجهون العالم؟ الخلل ليس في المرأة، بل في الفكرة التي صاغتها، في التربية التي جعلت قيمتها خارجها، في خطاب مستمر يربط وجودها بغيرها، يُثقلها بما لا يُطاق، ويمنعها من التعبير عن ألمها.

نحن لا نحتاج إلى نساء أقسى، ولا إلى نساء أكثر تشبهًا بالرجال، نحن نحتاج إلى نساء أكثر وعيًا بذواتهن، أكثر تصالحًا مع قوتهن الحقيقية، قوة الإنسان الذي يعرف أنه حتى في أشد لحظاته ضعفًا، لا يزال كافيًا لنفسه، قادرًا على الاتكاء على ذاته، وأن الحياة مهما اشتدت، لا تستحق أن تُغادرها روح كان يمكن أن تُنقذ نفسها بنفسها، لو أنها تعلمت منذ البداية أنها قوية وتملك كل أدوات النجاة.

 

زر الذهاب إلى الأعلى