بين ضيق الشح وفضاء الجود.. البخل والكرم أرواح لا أموال
كتب/ جمال القاضي
ليست المادة هي التي تشكل جوهر الإنسان، بل إن المعدن الأصيل هو الذي يصنع الفرق في هذه الحياة. وحينما نتطرق إلى معادلة “البخل والكرم”، فإن الأفهام السطحية كثيرا ما تحصرها في أرقام الحسابات البنكية أو مدى امتلاء الجيوب. غير أن الحقيقة الصارخة تؤكد أن البخل والكرم خصال سيكولوجية وأخلاقية تستوطن العطاء الروحي قبل المادي، وتفصح عن جوهر النفس البشرية في جميع صور حياتها.
أولا: سخاء الروح وشح المشاعر.. العطاء العاطفي كمعيار أصيل
إن أكثر أنواع البخل قسوة ليس ذلك الذي يمنع الدرهم والدينار، بل هو “بخل المشاعر”. تجد العبد يملك خزائن من الحنو والدفء والعاطفة، ولكنه يستكبر أن يفيض بها على من هم أحق الناس بها؛ يبخل بالكلمة الطيبة، ويشح بالابتسامة الحانية، ويحرم أهل بيته من دفء العاطفة. ذلك لأن البخل في طبعه جذر عميق لا يتجزأ.
وفي المقابل، نجد “كريم المشاعر” إنسانا ينبض قلبه بالوفرة؛ يهب الحب والاهتمام وزكاة الروح لزوجته، ولأبنائه، ولكل من حوله، دون أن ينتظر مقابلا أو ثمنا. يدرك يقينا أن بذل الود لا ينقص المشاعر بل يزكيها. وقد جاء في شريعتنا السمحة ما يؤكد هذا المعنى، حيث قال رسول الله ﷺ:
«تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ» (رواه الترمذي)*.
تلك الصدقة المعنوية التي لا تكلف درهما، ولكنها تكشف سخاء الفؤاد.
ثانيا: البخيل.. فقير يستعجل الفقر ويموت بلا متاع
البخيل هو ذلك المسكين الذي اختار العيش في شقاء المحرومين ليجمع المال لغيره؛ هو صاحب أغنى رصيد وأضيق صدر. يعيش هجس الخوف من الغد، فيستعجل الفقر الذي يخافه ويختاره لنفسه، ويموت زهدا قسريا في الحلال والحرام على حد سواء.
يقول الله تعالى في كتابه المحفوظ:
﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا﴾ *(البقرة: 268)*.
تجد هذا البخيل يموتُ دون أن يذوق طعم الرخاء أو يستمتع بما جمع، فيترك خلفه ثروة طائلة تكون وبالا على من بعده. تتصارع العائلة على الميراث، وتنساق الذرية في طرق الضياع والإنفاق العشوائي والإدمان، كأن هذا المال الممنوع بالبخل يعود ليهدم ما أقيم عليه. فيكون كما قال فيه القائل: “يعيش عيش الفقراء، ويحاسب حساب الأغنياء”.
ثالثا: الكريم.. عزة النفس ويقين الرزق
أما الكرم المادي فلا يرتبط بمقدار ما تحويه الخزائن، بل بما يؤمن به القلب. كم من إنسان لا يملك في بيته سوى قوت يومه، ولكنه يستقبل ضيفه ببشاشة الملوك، ويصر على أن يقاسمه طعامه أو يستقرض ليستر واجب الضيافة! ليس هذا سفها، بل هو شهامة ويقين مطلق بأن الرازق هو الله، وأن البيت الذي يفتح للكرم لا يغلقه الفقر أبدا.
يقول الحق تبارك وتعالى:
﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ *(الحشر: 9)*.
ويقول الرسول الكريم ﷺ:
«مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ» (رواه مسلم).
فالكريم يعلم أن المال ظل زائل، وأن العطاء هو المال الحقيقي الذي يدخر في خزائن الآخرة ويثمر بركة في الدنيا.
واخيرا:
النفس دار.. وأنت من يختار سكانها
إن شخصية الإنسان مثلها كمثل “الدار”؛ إن حلت فيها روح الكرم والشهامة والبذل، طردت منها خصائل البخل والشح واللؤم. وإن استوطنها البخل والنرجسية، رحلت عنها المروءة والكرم.
إن البخل والكرم ليسا مجرد سلوكيات عارضة، بل هما عنوان الحقيقة الإنسانية؛ فكن كريم الروح والمال والمشاعر، لتحيا في فضاء الطمأنينة، ولا تكن بخيلا فتعيش سجين مالك وماعرك.







