الرواية الجدلية ” بين فردوس الشيطان وجنة البشر”
تبسيط الرواية الجدلية ” بين فردوس الشيطان وجنة البشر”
قراءة مبسطة في رواية ” بين فردوس الشيطان وجنة البشر” للكاتبة د: إسراء محمد
بداية. ما أقصده بالقراءة المبسطة هو توصيل ما ورد بهذا العمل من أمور معقدة بطريقة خالية من المصطلحات الصعبة،وبأسلوب مباشر باستخدام عملية لغوية تركز على دقة فك الرموز التي وردت براوية ” بين فردوس الشيطان وجنة البشر” الجزء الجدليّ. وقد كتبت عنه بصورة موسعة كشفية, وألقيت فيها الضوء على المحتوى بوجه عام, وفي هذا المقال أردت إظهاره بصورة مبسطة رغم أني تحدثت مرارًا عن الرؤية الفلسفية بمواطنها, ووصف العمل كرواية استطاعت أن تبرز عدة أسئلة كونية ومن أهمها: حين يصبح المستقبل سؤالًا أخلاقيًا مفتوحًا. وهل نهاية العالم حدث قادم؟. أم أن النهاية قد بدأت بالفعل, ومتي؟. ربما منذ أن فقد الإنسان وعيه بحقيقة ما صنع؟. والعديد من أمور جدلية تطرحها الكاتبة وتقر بهذا بدلائل كما ذكرت سلفًا.
رواية ” بين فردوس الشيطان وجنة البشر” هي الجزء الثاني لرواية “2035”. فئة الخيال العلمي. أمّا هذا الجزء يجب أن يضاف إلى تصنيف آخر كونه يحاكي الواقع بصورة علمية تكاد أن تكون خيالية, وكنص إشكالي يصرّ على أن يقف في المنطقة الأكثر توترًا بين الأدب والمعرفة، وبين السرد والتحذير الذي يزداد قسوة كلما اقتربنا من تسميته. وهنا لا يُستدعى المستقبل لإثارة الدهشة، وإنما ليُستخدم كأداة مساءلة للحاضر, وإظهار ما نحاول تجاهله.
بداية الرواية لم يأت تاريخها, والعالم الممتد زمنيًا منذ 2035 وحتى عام 2050 لا يُبنى على منطق النبوءة الأدبية، أراه من منطق السببية الأخلاقية. وما يحدث ليس قفزة في أمر مجهول، هو نتيجة طبيعية لمسار إنساني تآكل فيه الوعي، وتراجعت فيه القيم حتى بات الانهيار احتمالًا منطقيًا وليس استثناءً صادمًا. النهاية في هذا العمل ليست حدثًا مفاجئًا, فمنذ زمن وهو يتقدم بهدوء قد لا يلفت الانتباه.
تعتمد الكاتبة د. إسراء محمد في تشكيل هذا العمل على خلفية بحثية واضحة، تتكئ على دراسات وأطروحات فكرية معاصرة ثقيلة, تحرّر النص من الاستسهال السردي, والبنية الأساسية في تقويم العمل, دقيقة وواعية, بناءًا مرتفعًا, طبقاته ترتقي بالفكر, عنوانه يوقظ من يقرأ, بينما محتواه سيعيد ترتيب مسارات عديدة.

أحد أكثر محاور العمل إثارة للانتباه هو إعادة تعريف مفهوم السلطة, وأن التحكم في هذا العالم قد لا يُقدَّم عبر أنظمة سياسية مرئية, أو مؤسسات تقليدية، بينما ينطلق عبر قوى تعمل في الظل، إذ يدار المشهد الواقعي من الخلف، تتحكم في المعرفة قبل أن تتحكم في القرار. وفي هذا السياق، ستظهر الماسونية كنموذج رمزي لشبكات النفوذ المعقّدة، ليس باعتبارها مادة للشيطنة أو المؤامرات السطحية، وإنما كحلقة ضمن منظومة أوسع، توصل الرمز بالسلطة والعلم بالهيمنة، تعيد تشكيل الوعي الجمعي دون حاجة إلى العنف المباشر.
يتصاعد هذا المسار مع الحضور المحوري للذكاء الاصطناعي الذي يُقدَّم بوصفه من أخطر تحولات العصر الحديث. التقنية هنا لا تُعامل كأداة محايدة، هي قوة معرفية قد خرجت من نطاق الخدمة إلى نطاق الفعل. والخطر لا يكمن في تطورها بحد ذاته، الأشد خطورة هو اندماجها مع منظومات الحكم الخفي وتحولها إلى وسيط جديد للحقيقة بصورة تبهر من يراها, قادرة على صناعة الإدراك الجمعي وإعادة ترتيب ما يُرى وما يُصدَّق. وفي هذا العالم أصبح الوهم أكثر إقناعًا من الواقع ويغدو الزيف أشد دقة من الصدق.
ومن هذه النقطة تحديدًا، يتداخل البعد الديني في نسيج النص برؤية رمزية معاصرة، يُعاد طرح مفهوم “المسيخ الدجال” كنموذج أعلى لنهاية العالم ومن قبل, السيطرة الشاملة. ولم تظهره كحدث غيبي منفصل عن الواقع. الدجال هنا ليس نهاية مفاجئة، هو ذروة المشروع الطويل والذي برأي الكاتبة قد بدأ منذ اللحظة التي تنازل فيها الإنسان عن وعيه، وسلّم إدراكه لقوى تدّعي امتلاك الحقيقة. وبهذا المعنى أصبح الصراع أعمق من مواجهة ظاهرة، والتصق بجوهر الوجود الإنساني.
لا تكتفي الرواية بهذا الطرح الفكري واستمرت بتوسّع دائرة الصراع لتشمل مستويات متعددة، تقاطع العوالم غير المرئية مع الواقع الإنساني في إطار رمزي للصراع الأزلي بين الخير والشر. والمعركة هنا لا تُخاض بالسلاح وحده, هي بالفكر وبالإيمان وبالقدرة على إدراك ما يحدث خلف كل المشاهد.
رغم هذا الثقل لم يفقد النص حساسيته الإنسانية. ترى الشخصيات حية, تعيش الخوف والحب، وتتعرض للخيانة وينزع الشك سريرتها، ترى الشجاعة وتشعر بالانكسار. تحولاتهم ليست نتاج الحدث, هي تحولات وجودية, لا علاقة لها بالخيال العلمي. أشياء تُجبرهم على إعادة تعريف ذاتهم, وخوضهم في عالم يتكشف زيفه تدريجيًا. ومن داخل هذا الصراع، تنبثق رومانسية خافتة، لا تسعى إلى إنقاذ العالم، لكنها تحافظ على إنسانيته داخل النص، وتمنعه من الانزلاق إلى العدمية الكاملة.لغويًا، يعتمد العمل على خطاب مكثف, قائم على الأسئلة المباشرة في محاولة لإبقاء القارئ في حالة يقظة دائمة. أمّا سرديًا، فيكسر الخط الزمني ويمزج بين الواقع والتوقع، كأنك بداخل تلك التجربة, شاهدًا على عالم يُعاد تشكيله أمام عينيك وتنتظر نهايته.
في المحصلة، تقدّم رواية “بين فردوس الشيطان وجنة البشر” نصًا لا يُقرأ مرة واحدة, يجب أن تعيد قراءته وتعيد النظر بعين الاعتبار بوصفه رؤية مستقبلية, تحذيرية, وبأدلة كونية في آن واحد. عمل لا يسعى إلى الطمأنينة، أراه يكشف المسار الذي يقود إلى النهاية ويضع القارئ أمام سؤال لا يمكن تجاهله: هل نهاية العالم حدث منتظر بمستقبل قريب؟. وماذا عن عام 2050؟. أم أن النهاية قد بدأت منذ اللحظة التي قرر فيها الإنسان أن يسلّم وعيه ويستبدل الحقيقة براحة الوهم؟.





