مقالات

بين معالجة الظواهر وتجاهل الأسباب: رسالة إلى السادة النواب

 

بين معالجة الظواهر وتجاهل الأسباب: رسالة إلى السادة النواب

 

بقلم: جمال القاضي

إنَّ بعضَ النوابِ الذين يسعونَ إلى استصدارِ قوانينَ تُعارِضُ أحكامَ الشريعةِ، أو تُضيِّقُ على الزوجِ إذا فكَّرَ في الزواجِ بأخرى، يُشبهونَ طبيبًا فاشلًا لا يُجيدُ تشخيصَ المرضِ، فيكتفي بعلاجِ الأعراضِ ويتركُ أصلَ الداءِ دونَ معالجةٍ. وهكذا أصبحنا في كثيرٍ من القضايا نعالجُ النتائجَ ونُهمِلُ الأسبابَ الحقيقيةَ للمشكلاتِ.

وأتساءلُ: هل فكَّرَ السادةُ النوابُ يومًا في الأسبابِ التي تدفعُ بعضَ الأزواجِ إلى الزواجِ مرةً أخرى؟ ولماذا يُقدِمُ رجلٌ أحبَّ زوجتَه يومًا ما على هذه الخطوةِ؟ إنَّ ظروفَ الحياةِ القاسيةَ كشفتْ جوانبَ عديدةً من طبائعِ البشرِ، والحرمانُ الطويلُ، وفقدانُ الاهتمامِ، وطولُ الانتظارِ، أمورٌ قد تتركُ آثارًا عميقةً في النفوسِ.

ولعلَّ بعضَ مَن يطرحونَ هذه القوانينَ لم يجرِّبوا معنى الحرمانِ العاطفيِّ أو الإهمالِ الأسريِّ، فبدتِ القضيةُ لهم من زاويةٍ واحدةٍ فقط. والحقيقةُ أنَّ لكلِّ مشكلةٍ أسبابًا ينبغي البحثُ عنها قبلَ التفكيرِ في العقوباتِ أو القيودِ.

فإذا وصلَ الحالُ بزوجٍ إلى طريقٍ مسدودٍ بسببِ الخلافاتِ المستمرةِ وسوءِ المعاملةِ، ورأى أنَّ الزواجَ بأخرى حلٌّ مشروعٌ كفلهُ الشرعُ والقانونُ، فلماذا يُواجَهُ بالعقوباتِ أو القيودِ التي تُضيِّقُ عليه؟ أليسَ الأولى البحثُ عن أسبابِ انهيارِ العلاقاتِ الزوجيةِ ومعالجتُها بدلًا من الاكتفاءِ بمعالجةِ النتائجِ؟

وقد طُرِحَتْ في فتراتٍ سابقةٍ مقترحاتٌ تُعاقِبُ الزوجَ الذي يتزوجُ دونَ علمِ زوجتِهِ الأولى بالحبسِ والغرامةِ. وهنا يثورُ التساؤلُ: هل تُحلُّ المشكلاتُ الأسريةُ بالعقوباتِ وحدَها، أم أنَّ المطلوبَ هو معالجةُ جذورِ الأزمةِ والحفاظُ على استقرارِ الأسرةِ والمجتمعِ؟

وفي المقابلِ، نجدُ قضايا أكثرَ إلحاحًا تمسُّ حياةَ المواطنينَ اليوميةَ بصورةٍ مباشرةٍ. فأينَ الأصواتُ التي ارتفعتْ حينَ انخفضَ سعرُ بعضِ السلعِ، عندما كانتْ أسعارُها قد بلغتْ أضعافَ ذلك من قبلُ؟ وأينَ الاهتمامُ بمعاناةِ الفلاحِ الذي يواجهُ ارتفاعَ تكاليفِ الزراعةِ، ونقصَ مستلزماتِ الإنتاجِ، وصعوبةَ تحقيقِ عائدٍ يُغطِّي نفقاتِهِ؟

إنَّ المزارعَ اليومَ يقفُ بينَ خيارينِ أحلاهما مُرٌّ: إمَّا أن يزرعَ بإمكاناتٍ غيرِ كافيةٍ فتكونَ الخسارةُ محتملةً، وإمَّا أن يتركَ أرضَه بلا زراعةٍ فيتعرضَ لخسائرَ أخرى. وفي كلتا الحالتينِ تبقى معاناتُه قائمةً دونَ حلولٍ جذريةٍ حقيقيةٍ.

كما أنَّ هناكَ قضايا تمسُّ صحةَ المواطنينَ وسلامتَهم الغذائيةَ، وهي أولى بالمتابعةِ والرقابةِ. فالمجتمعُ يسمعُ بينَ الحينِ والآخرِ عن مخالفاتٍ تتعلقُ بسلامةِ الأغذيةِ والأعلافِ، وعن ممارساتٍ تضرُّ بصحةِ الإنسانِ والبيئةِ، ويتساءلُ عن حجمِ الرقابةِ ودورِ الجهاتِ المعنيةِ في التصدي لها.

إنَّ المواطنينَ لم يمنحوا النوابَ ثقتَهم ليزدادَ عبؤهم، بل أملاً في أن يجدوا مَن يحملُ همومَهم ويعملُ على حلِّ مشكلاتهم. فالمهمةُ الأساسيةُ للنائبِ هي تمثيلُ الشعبِ، والدفاعُ عن مصالحِهِ، والسعيُ إلى تشريعِ القوانينِ التي تُيسِّرُ حياتَه وتحفظُ حقوقَه وتُحقِّقُ له الاستقرارَ.

والمواطنُ ليسَ غافلًا عمَّا يدورُ حولَه؛ فهو يُدركُ الحقائقَ، ويُميِّزُ بينَ مَن يعملُ لمصلحتِهِ ومَن يسعى وراءَ مصالحَ أخرى. لذلكَ فإنَّ إصدارَ قوانينَ تُخالِفُ الشريعةَ أو الأعرافَ المستقرةَ في المجتمعِ لن يُسهمَ في حلِّ المشكلاتِ، بل قد يزيدُ من حدَّةِ الاحتقانِ والانقسامِ.

لقد كنتُ أتمنَّى من السادةِ النوابِ أن يُوجِّهوا جهودَهم إلى دراسةِ الظواهرِ الاجتماعيةِ دراسةً عميقةً، والبحثِ عن أسبابِها الحقيقيةِ، والعملِ على علاجِها من جذورِها، بدلًا من التركيزِ على تشريعاتٍ قد تُرضي فئةً على حسابِ فئاتٍ أخرى تمثلُ شريحةً واسعةً من المجتمعِ.

كما كنتُ أتمنَّى أن يقفَ النائبُ إلى جوارِ المواطنِ الذي منحهُ ثقتَه وأوصلَهُ إلى موقعِ المسؤوليةِ، وأن يسعى إلى تشريعاتٍ تُخفِّفُ من أعبائِهِ وتُحسِّنُ ظروفَ حياتِهِ. غيرَ أنَّ كثيرًا من المواطنينَ باتوا يشعرونَ بالخيبةِ حينَ رأوا أنَّ آمالَهم الكبيرةَ لم تُثمرْ ما كانوا يرجونَه، وكأنَّهم زرعوا بذورًا في أرضٍ خصبةٍ ورعوها طويلًا، ثم لم يحصدوا في النهايةِ إلا أشواكَ الخيبةِ والندمِ.

 

زر الذهاب إلى الأعلى