الدين و الحياة

تطهير لصيام المؤمن

تطهير لصيام المؤمن

بقلم / محمـــد الدكـــروري

اعلم أيها المسلم أنه لا يجوز تأخير أداء زكاة الفطر بعد صلاة العيد على القول الصحيح، فمن أخّرها بعد الصلاة بدون عذر، فعليه التوبة، وعليه أن يخرجها على الفور، ولكن ما مصارف زكاة الفطر؟ إلى من ندفع زكاة الفطر؟ هل مصارف زكاة الفطر هي نفسها صارف الزكاة؟ فإن لزكاة الفطر خصوصيتها في مصارفها، فهى لها مصرفان فقط لا ثمانية كما هو للزكاة، ومصارف زكاة الفطر وأهلها الذين تدفع لهم، هم الفقراء والمساكين، وهذا هو الصواب والأرجح من أقوال أهل العلم، وقال الشوكانى “وفيه دليل على أن الفطرة تصرف في المساكين دون غيرهم من مصارف الزكاة” وقال ابن تيمية “ولا يجوز دفع زكاة الفطر إلا لمن يستحق الكفارة” وقال الإمام ابن القيم”وكان من هديه صلى الله عليه وسلم تخصيص المساكين بهذه الصدقة، ولم يكن يقسمها على الأصناف الثمانية قبضة قبضة، ولا أمر بذلك.

ولا فعله أحد من أصحابه، ولا من بعدهم” ويجوز دفع زكاة الفطر عن النفر الواحد لشخص واحد، كما يجوز توزيعها على عدة أشخاص، واتفق العلماء على أنه يجوز إخراج زكاة الفطر من الطعام الذي يعد قوتا للناس، أى ما يقتاته الناس، ولا تقتصر على ما نص عليه من الشعير والتمر والزبيب، بل نخرج من الأرز والذرة والعدس وغيرهم مما يعتبر قوتا، وقال الشافعى “يجب فى زكاة الفطر صاع من غالبا قوت البلد في السنة” وقال ابن تيمية “أوجبها الله تعالى طعاما كما أوجب الكفارة طعاما” وأما إخراج زكاة الفطر قيمة نقدية بدلا عن الطعام، فللعلماء قولان، القول الأول وهو عدم جواز إخراج القيمة في زكاة الفطر، وهو مذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة، وقال النووى كما في المجموع “لا تجزئه القيمة في الفطرة عندنا وبه قال مالك وأحمد وابن المنذر”

والقول الثانى وهو جواز إخراج القيمة فى زكاة الفطر مطلقا، وهو مذهب الحنفية، فذهبوا إِلى أنه يجوز دفع القيمة فى صدقة الفطر بل هو أولى لتيسير للفقير أن يشترى أى شئ يريده فى يوم العيد، لأنه قد لا يكون محتاجا إلى الحبوب بل محتاج إلى ملابس، أو لحم أو عير ذلك، ويقول العلماء “والسنة توزيعها بين الفقراء في بلد المزكي، ولا بأس بنقلها، ويجزئ إن شاء الله في أصح قولي العلماء، لكن إخراجها في محلك الذى تقيم فيه أفضل وأحوط، وإذا بعثتها لأهلك ليخرجوها على الفقراء في بلدك فلا بأس” وزكاة الفطر هي شرعة مباركة من شرعة الإسلام العظيم، شرعها الله الحكيم سبحانه، وكل شرائع الله فيها الحكمة، عرفها من عرفها وجهلها من جهلها، وزكاة الفطر فيها حكم ظاهرة جلية نص عليها الشارع، فزكاة الفطر فيها حكمتان عظيمتان، الحكمة الأولى ويعود خيرها على الصائم نفسه.

فهي تطهير لصيام المؤمن، مما يكون قد اعتراه من خلل ونقص وتقصير، فتجبره زكاة الفطر، وتنقيه، وتزكيه، حتى يعود أكمل ما يكون، فلله الحمد والمنة، والحكمة الثانية يعود خيرها على غير الصائم، على الفقراء والمساكين من عباد الله المؤمنين، فتسد حاجتهم يوم العيد، وتدخل عليهم السرور، وتحفظ لهم مكانتهم فى فرحة المجتمع، ومشاركة الناس عيدهم، وتغنيهم عن السؤال والشعور بالمذلة في يوم جعله الله فرحة للمسلمين، فإن الزكاة من بين أركان الإسلام شرعة الحق، والتكافل الاجتماعى الذى يحفظ على المجتمع توازنه، بالعطف، والمودة، والإيثار، ونقاء السريرة، ونبذ سموم الأَحقاد والتحاسد، هذه منزلتها، وهذا أثرها كما رسمه الإسلام العظيم لأتباعه إلا أن الواقع يعطي شهادة بالإدانة على الأغنياء لصالح الفقراء، فلو أعطى كل غنى حق الله من مال الله لعباده الفقراء، ما بقى فى الدنيا فقير.

ولا مسكين، ولا جائع، وأغنياء المسلمين فى العالم لا يحدهم التعداد من كثرتهم ولكن أرقام الذين يفارقون الحياة بسبب الجوع، أو المرض، يصيب النفس بالهلع والغثيان، إضافة إلى قائمة الضرورات الحياتية المهمة التى يفقدها المحرومون، من أدنى الحقوق فى أقطار المعمورة من المسلمين، وإذا هدم الأثرياء من المسلمين ركنا عظيما، من أركان هذا الدين، فإن إيمانهم كله فى خطر، على اعتبار أن القائم بأركان الإسلام الخمسة، والمراعى لها يقيم الدين كله، فعن عبدالله بن عمر رضى الله عنهما، قال النبى الكريم صلى الله عليه وسلم ” بُنى الإسلام على خمس، شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان” رواه مسلم.

زر الذهاب إلى الأعلى