حوار وجداني مع مالك بن الريب ….. بقلم / زيد الطهراوي
حوار وجداني مع مالك بن الريب ..... بقلم / زيد الطهراوي

حوار وجداني مع مالك بن الريب ….. بقلم / زيد الطهراوي
هذا مماتك يا ابن الريب بصحراء قاسية بعيدا عن الأهل و الأحباب يقال : إن أفعى لدغتك فسرى السم في جسدك و لم يمهلك إلا لترتجل أبياتك المعدودة و لكنَّ الرواة تناقلوها فزادوا فيها أكثر مما أنقصوا منها فإذا بها قصيدة طويلة لا تصدر عن شاعر يطالبه السم بالإجمال فسامح الله الرواة لو أنهم تركوا قصيدتك البليغة و شأنها لما أتعبوا النقاد الذين سهروا الليل ليستأصلوا الأبيات الركيكة من جسم قصيدتك أو تلك التي لا تتناسب مع زمانك
و لكنني أهنئك ؛ فقد تدفقت العاطفة في القصيدة كشلال و ظهرت الأصالة حين حافظت على انتمائك لدينك مع تعبيرك عن مشاعر الإنسان في كل زمان و مكان و هذا بحر الطويل قد اخترته ببراعة فالموت ممتد و بحر الطويل ممتد بتنوع تفعيلاته
ويحك يا ابن الريب كيف أسلت القطرة من عيوننا و قل ما تسيل القطرة من العيون في زمن التسارع و كيف أوقفتنا على ساحل التأمل و كيف أيقظتنا من غفلة ألمت بنا و نحن نسير في طريق الدنيا لاهين و كأنه طريق لا ينتهي و كيف علمتنا أن الفراق صعب و مثلك يا ابن الريب لا يقال له : ويحك لولا انها كلمة تقولها العرب للتحبب و العتاب
ألا ليت شعري هل أبيتنَّ ليلة
بوادي الغضا أزجي القلاص النواجيا
تقول و أنت تعاني معاناة المفارق : ألا ليت شعري : أي ليتني أعلم هل أبيت ليلة بوادي الغضا و وادي الغضا هو واد يكثر فيه نبات الغضا المشهور باستخدامه حطبا لاحتماله النار أكثر من غيره و أزجي : أرسل و ارعى و القلاص : جمع قلوص و القلوص هي الناقة الشابة و النواجيا أي : السريعة
ها انت ذا تتمنى يا مالك بن الريب فليت للتمني و تستخدم للشيء المستحيل و قلَّ ما تستخدم للممكن و وادي الغضا هنا يحتوي على ذكرياتك في رعي الجمال و لكنه يحتوي أيضا على الأهل و الأحباب هو الشوق الشديد إذن ألح عليك و أنت تتهيأ لحياة أخرى إنه الأمل المغروس في أعماقنا و لكن الموت يقطع الأمل و الدنيا ليست دار بقاء
أتدري يا ابن الريب أن ابياتك كلها مؤثرة و كل قارئ تثير أشجانه أبيات معينة فتنمو الرأفة و ينهض الحنين و تتهذب المطامح و لكنني أرى أن البيت الذي يظهر بشذاه من بين جميع الأبيات التي تمتلئ عبقا هو الذي تقول فيه :
ألم ترني بعت الضلالة بالهدى
و أصبحت في جيش ابن عفان غازيا
و الاستفهام هنا تقريري كما هو معلوم ؛ و أنت هنا تشير إلى حقيقة غيرت مسيرة حياتك تغييرا كليا و هي أنك كنت لاهيا لا تعمل لما خلقت له و هو عبادة الله بل تعمل لملذاتك و أهوائك فإذا برحمة الله تختارك لسلوك طريق التقوى و الهدى و الجهاد في سبيل الله تعالى لتكون كلمة الله هي العليا فيستفيق الناس من غفلتهم و يتركون عبادة الأصنام و يعبدون الله الخالق مالك الكون و المتصرف فيه سبحانه و تعالى
و الغريب أن قصيدتك تظهر الإنسان على حقيقته في قلقه في توتره في تفقده للأهل و تذكره للأيام الجميلة و كأننا نريد منك أن تتهيأ واقعيا لرحلتك الدائمة التي تنقلك إلى الحياة الموعودة في جنات النعيم فنريد أن نقرأ أبياتا فيها استغفار و دعاء و ذكر لله و من يستحق أن يرجو رحمة الله خاصة في مرض الموت إلا المؤمنون و لكن المؤمن إنسان و الإنسان مرتبط ببيئته و هو ممتلئ بعواطف المحبة و الرحمة تجاه الأهل و الأقرباء فمن الطبيعي أن تتذكر ابنتك التي تشبثت بك قبل الرحيل و أن تتذكر الوالدين و الزوجة و الأخوات
و هذا كله لا يناقض الإسلام بل إن الإسلام يحض على حسن العشرة و على التراحم و المحبة و لا يضرك يا ابن الريب تذكرك بالتفصيل للأهل و الأحباب و النياق و الغضا و تفقدك لمن يبكي عليك فإذا بك لم تجد إلا سيفك و رمحك و جوادك الذي لم يترك له الموت ساقيا و لكنك تبالغ فإن رفاق رحلتك لم يبتعدوا عنك و لكن ربما أردت من تعمق ارتباطك به كالأهل فإنهم أصدق في عاطفتهم من غيرهم تقول يا شاعرنا :
تقول ابنتي لما رأت طول رحلتي
سفارك هذا تاركي لا أبا ليا
و تقول أيضا :
تذكّرتُ مَنْ يبكي عليَّ فلم أجدْ
سوى السيفِ والرمح الرُّدينيِّ باكيا
وأشقرَ محبوك يجرُّ عِنانه
إلى الماء لم يترك له الموتُ ساقيا
ولكنْ بأطرف (السُّمَيْنَةِ) نسوةٌ
عزيزٌ عليهنَّ العشيةَ ما بيا
صريعٌ على أيدي الرجال بقفزة
يُسّوُّون لحدي حيث حُمَّ قضائيا
الرمح الرديني و هو المنسوب إلى ردينة و هي امرأة كانت ماهرة بصنع الرماح و الأشقر المحبوك هو جوادك فالمحبوك هو القوي و النسوة التي تحزن حزناً شديدا على الفراق فإذا علمن أن الرجال يحفرون قبرك فأي بكاء سيبكين
أما ذلك الجواد الأشقر القوي الذي يجرّ عنانه إلى الماء فهو إبداع يحسب لك كشاعر مفارق، ذلك أن هذا البيت يحتوي على صورة حية قوية تختصر مشهد الرحيل
و تقول عن الأبناء و الوالدين :
فَللَّهِ درِّي يَومَ أتركُ طائِعاً بَنِيَّ بِأَعلى الرَقمَتَينِ وَمالِيا
وَدَرُّ كَبيرَيَّ اللَذين كِلاهُما عَلَيَّ شَفيقٌ ناصِحٌ لَو نَهانِيا
و جملة لله دري تعني : كثر خيري فهي دعاء
و أعلى الرقمتين : مكان
و الكبيران هما الوالدان
و تلح عليك و انت في هذا المقام صفاتك التي تعتز بها و هي القوة و الشجاعة فهل استشعرت ضعفك و أنت ( صريع على أيدي الرجال بقفرة ) لتقول و كأنك تهزأ من حالك أو ربما تكون مقتنعا بأن الدنيا لا تستقر على حال :
خذاني فجرّاني بثوبي إليكما
فقد كنتُ قبل اليوم صَعْباً قِياديا
وقد كنتُ عطَّافاً إذا الخيل أدبَرتْ
سريعاً لدى الهيجا إلى مَنْ دعانيا
و قد كنت عطافا : أي انك تميل على الأعداء إذا فرَّت الخيل
و الهيجا : هي الحرب
و يظهر المعنى الديني في قول الرفاق لك : لا تهلك أسىً و تجمل ) أي تجمل بالصبر
و لكنَّ المعاني التي اعتاد الناس على ترديدها في زمانك تملأ القصيدة و منها :
ولا تحسداني باركَ اللهُ فيكما
من الأرض ذات العرض أن تُوسِعا ليا
فالقبر يمتلئ نوراً و سعادة بالإيمان و العمل الصالح و لا تؤثر سعة القبر في سعادة الميت أو تعاسته و لكنك تستبشر خيرا إذا كان قبرك واسعاً و هذا مما جرى على ألسنة الناس و توافق مع أفهامهم
و منها كذلك قول الرفاق لك :
يقولون لا تبعد و هم يدفنوني
و أين مكان البعد إلا مكانيا
و هذه الجملة ( لا تبعد ) لو أخذناها على ظاهرها لوجدنا أنه أقرب إلى الهزل منها إلى الجد و لكن العرب تقولها لمن سيترك فراغا بعد موته كعالم أو مجاهد أو رئيس قوم حليم فيقولون : لا تبعد ؛ أي أن موته حدث عظيم
يرون موتك بسبب إيمانك بالله و دعوتك إلى الحق أمراً جليلا و يرجون بهذه المقولة أيضا أن يستمر ذكرك كحق من حقوقك
و لكنك أيها الشاعر يا من شعرت بالموت يتسلل إليه تدرك أن كل هذا لن ينفعك و أن هناك تناقضاً واضحاً فالموت هو البعد عن هذه الحياة و هو سائر إليك و لن يغير هذه الحقيقة شعورهم بأن موتك حدث جلل أو انتشار ذكرك بين الناس
ها أنت ذا تشعر بهول الموقف و تنسحب من الدنيا التي أرهقتك بكثرة من فيها من الأحباب الذي انفلقت أكبادهم و بكت عيونهم و لكنَّ رحمة الله أوسع بك و بهم فإلى رحمة الله أيها الشاعر القريب البعيد




