أدب وثقافة

حين أمسك برسباي بخيوط التجارة. بقلم / محمد مصطفى كامل

حين أمسك برسباي بخيوط التجارة

التاريخ من وراء الستار

 

بقلم / محمد مصطفى كامل

السلطان الذي عرف أن خزائن الدولة يمكن أن تُملأ بالحرير والتوابل كما تُملأ بالغنائم

عندما مات السلطان المؤيد شيخ سنة 1421م، لم تكن المشكلة التي ورثها من بعده مجرد عرش يحتاج إلى سلطان جديد، ولا جيشًا ينتظر قائدًا جديدًا.

كانت المشكلة أعمق من ذلك.

كانت دولة المماليك قد وصلت إلى مرحلة أصبح فيها بقاء السلطان مرتبطًا بسؤال لا يقل خطورة عن سؤال الحرب:

من أين تأتي الأموال التي تُبقي الدولة واقفة؟

فالمماليك لم يكونوا يملكون دولة تقوم على الزراعة وحدها، وإن كان نهر النيل وأرض مصر يمثلان أساسًا بالغ الأهمية لاقتصاد السلطنة.

كانت مصر في الوقت نفسه تقع فوق واحدة من أهم العقد التجارية في العالم القديم.

من الهند وجنوب شرق آسيا تأتي السلع، وتعبر المحيط الهندي والبحر الأحمر، ثم تصل إلى مصر، ومنها تتحرك عبر الإسكندرية وموانئ الشام نحو أسواق البحر المتوسط وأوروبا.

وكانت التوابل، وعلى رأسها الفلفل القادم من الهند، من أثمن السلع التي تتحرك في هذه الشبكة.

وهنا أدرك برسباي أمرًا بالغ الأهمية:

إذا كانت خزائن السلطنة تحتاج إلى المال، فإن الطريق إلى المال لا يمر دائمًا عبر ساحة المعركة.

أحيانًا يمر عبر ميناء.

وأحيانًا عبر قافلة.

وأحيانًا عبر سفينة تحمل شحنة من الفلفل قطعت آلاف الأميال قبل أن تصل إلى الموانئ المصرية.

ومن يستطيع أن يؤثر في الطريق الذي تسلكه هذه السلع، يستطيع أن يؤثر، بدرجة كبيرة، في الأموال التي تصل إلى خزينة الدولة.

وهنا بدأت قصة برسباي مع التجارة.

حين ظهر برسباي

لم يصل برسباي إلى الحكم من فراغ.

كان واحدًا من رجال المؤسسة المملوكية التي نشأت في عصر المماليك البرجية، وارتبط في بدايات صعوده بدائرة السلطان الظاهر برقوق، ثم تدرج داخل النظام العسكري والسياسي حتى أصبح واحدًا من أصحاب النفوذ.

وبعد وفاة المؤيد شيخ سنة 1421م، تعاقب على العرش سلطانان قصيرا المدة، قبل أن يستقر الأمر لبرسباي سنة 1422م.

لكن السلطان الجديد لم يرث دولة خالية من المشكلات.

كان عليه أن يتعامل مع قوة الأمراء، وأن يحافظ على نفوذ القاهرة في الشام والحجاز، وأن يؤمّن طرق الحج والتجارة، وأن يحمي السواحل والموانئ، وأن يتعامل مع واقع اقتصادي لم يعد كما كان في عصور الازدهار السابقة.

كانت آثار الطاعون والانخفاض السكاني قد أثرت في الزراعة والموارد، بينما ظلت الدولة بحاجة إلى الإنفاق على الجيش والوظائف والإدارة والتحصينات.

ولهذا لم تكن التجارة بالنسبة إلى برسباي مجرد نشاط اقتصادي يجري بعيدًا عن قصر السلطان.

لقد أصبحت جزءًا من سياسة الدولة نفسها.

وتشير الدراسات الحديثة إلى أن تجارة التوابل، والفلفل على وجه الخصوص، كانت تمثل موردًا مهمًا للسلطنة المملوكية في وقت كانت فيه موارد أخرى تعاني من الضغوط.

مصر ليست مجرد دولة بين دولتين

لو نظرنا إلى خريطة العالم في ذلك العصر، لفهمنا لماذا كانت مصر أكثر من مجرد دولة تقع بين آسيا وإفريقيا وأوروبا.

كانت مصر تقف فوق عقدة طرق.

من الشرق تصل السلع الآسيوية عبر البحر الأحمر.

ومن الجنوب ترتبط بشبكات التجارة الإفريقية.

ومن الشمال تمتد الطرق إلى الشام والأناضول والبحر المتوسط.

وكانت الإسكندرية منفذًا مهمًا تنتقل عبره السلع الشرقية إلى التجار القادمين من البحر المتوسط، بينما كانت الموانئ والطرق البرية تكمل حلقات هذه الشبكة.

لكن هذه الميزة لم تكن ملكًا للمماليك وحدهم.

فالتجار الهنود واليمنيون والمصريون والشوام، وغيرهم من التجار القادمين من أنحاء العالم التجاري آنذاك، كانوا جميعًا جزءًا من منظومة واسعة لا تستطيع دولة واحدة أن تتحكم في كل تفاصيلها.

وهنا تكمن أهمية سياسة برسباي.

فهو لم ينشئ تجارة الشرق من الصفر، ولم يكن قادرًا على التحكم في كل سفينة أو كل تاجر.

لكنه حاول أن يجعل الدولة المملوكية أكثر قدرة على التدخل في مسار التجارة وشروطها، والاستفادة من الأرباح التي تمر عبر أراضيها وموانئها.

ومنذ منتصف عشرينيات القرن الخامس عشر اتجهت السلطنة إلى سياسات متعددة، شملت الحظر والإجبار على البيع والشراء في بعض الحالات، والحماية التجارية، والاحتكار لبعض السلع، وفي مقدمتها الفلفل والتوابل، إلى جانب السكر والمنسوجات وبعض المواد الغذائية.

لم يكن ذلك مجرد إجراء اقتصادي.

كان محاولة لإعادة رسم العلاقة بين السلطان والتاجر.

حين أصبح الفلفل قضية دولة

قد يبدو الفلفل اليوم سلعة عادية على مائدة الطعام.

لكن في عالم القرن الخامس عشر كان الأمر مختلفًا تمامًا.

كانت التوابل الشرقية من السلع ذات القيمة العالية، وكانت تجارة الفلفل جزءًا أساسيًا من التجارة التي تربط المحيط الهندي بالبحر المتوسط.

ولهذا لم ينظر برسباي إلى الفلفل باعتباره مجرد سلعة.

لقد رآه باعتباره موردًا تستطيع الدولة أن تستفيد منه بصورة أكبر.

فبدل أن تكتفي السلطنة بتحصيل الرسوم من حركة البضائع، أخذت تتدخل بصورة أكبر في تداول بعض السلع، محاولةً أن تجعل جزءًا أكبر من الأرباح يمر عبر قنوات تستطيع الدولة التأثير فيها.

كان الهدف مفهومًا:

تقليل المسافة بين خزينة السلطان وبين الأرباح الناتجة عن التجارة.

لكن لهذا الأسلوب ثمن.

فكلما زادت تدخلات السلطة، زادت الضغوط على التجار.

وكلما أصبحت شروط البيع والشراء أكثر ارتباطًا بإرادة السلطان، أصبح من الممكن أن يبحث التجار عن منافذ أخرى أو طرق بديلة.

وهذا ما يجعل تجربة برسباي أكثر تعقيدًا من الصورة البسيطة التي تصوره أحيانًا على أنه «سلطان التوابل».

لقد وفرت سياساته موارد مهمة للسلطنة، لكنها لم تستطع إلغاء قوة التجار ولا استقلال شبكات التجارة عن إرادة الدولة.

بل إن بعض هذه السياسات منح الخزينة مكاسب سريعة، بينما حمل في الوقت نفسه مخاطر على البيئة التجارية التي كانت الدولة تعتمد عليها.

وهنا تظهر مفارقة برسباي:

السلطان الذي أراد أن يزيد نصيب الدولة من التجارة كان عليه في الوقت نفسه أن يحافظ على التجارة نفسها.

التجار الذين وجدوا السلطان داخل تجارتهم

كان التجار في ذلك العصر قوة حقيقية.

ليس لأنهم يملكون الجيوش، وإنما لأنهم يملكون شيئًا لا يقل أهمية:

المعلومة، والطريق، ورأس المال، والعلاقات.

فالتاجر الذي يعرف أين توجد السلعة، ومتى تصل، ومن يشتريها، وأي ميناء أفضل، يستطيع أن يتعامل مع القيود السياسية بطرق لا يستطيع السلطان دائمًا أن يمنعها.

ولهذا لم يكن برسباي يدير التجارة بنفسه في كل تفاصيلها.

كان يعتمد على رجال وأجهزة مرتبطة بالدولة لتنفيذ سياسته ومراقبة الأسواق والسلع والتعامل مع كبار التجار.

ومع تشدد السياسة الجديدة بدأت مكانة بعض الجماعات التجارية القديمة تتغير، بينما ظهرت جماعات جديدة أخذت تستفيد من الظروف التي فرضها النظام الاقتصادي الجديد.

ومن هنا فإن سياسة برسباي لم تكن تستهدف زيادة دخل الدولة فقط.

لقد ساهمت أيضًا في إعادة تشكيل العلاقة بين السلطة والطبقة التجارية.

وهذه نقطة مهمة، لأن السلطان لم يكن يحارب التجار بقدر ما كان يحاول أن يجعل التجارة تعمل في إطار يخدم مصالح الدولة.

لكن التجارة، بطبيعتها، لا تحب أن تبقى محصورة في طريق واحد.

وهنا بدأت جدة تصعد في القصة.

جدة، المدينة التي أصبحت مفتاح الجنوب

إذا كانت الإسكندرية بوابة مصر على البحر المتوسط، فإن جدة أخذت تكتسب أهمية متزايدة باعتبارها بوابة جنوبية على البحر الأحمر.

وكان التحول الذي حدث في ثلاثينيات القرن الخامس عشر بالغ الأهمية.

فقد بدأ تجار من الهند، وخاصة من ساحل كيرالا، يستخدمون جدة بصورة متزايدة، متجاوزين اعتمادهم السابق على عدن في جزء مهم من حركة التجارة.

وهذا التحول لم يكن مجرد تغيير في ميناء الوصول.

لقد كان تغييرًا في ميزان القوة داخل شبكة التجارة نفسها.

فجدة أصبحت عقدة أكثر أهمية في الطريق الذي يصل الهند بمصر، وهو ما جعلها أكثر ارتباطًا بمصالح القاهرة الاقتصادية.

وهنا أدرك برسباي أن البحر الأحمر ليس مجرد طريق تمر فيه السفن.

إنه طريق تمر فيه الثروة.

لكن الحجاز لم يكن أرضًا يمكن للقاهرة أن تتعامل معها كما تتعامل مع إحدى ولايات مصر.

كانت هناك سلطة الأشراف، ومكة والمدينة، وشبكات محلية من التجار والأعيان، ومصالح مرتبطة بالحج والتجارة.

ولهذا جاءت العلاقة بين السلطنة المملوكية والشريف بركات بن حسن في صورة تفاهم سياسي؛ فأصبح للسلطنة نفوذ قوي في جدة، بينما احتفظ الشريف بنفوذه على مكة والمدينة والمناطق الداخلية.

وهذا يكشف طبيعة الحكم المملوكي في الحجاز:

ليس كل نفوذ يحتاج إلى احتلال مباشر.

أحيانًا يكفي أن تملك النفوذ على الميناء، والطريق، والمال.

حين أصبح البحر الأحمر خزينة تتحرك فوق الماء

كان البحر الأحمر واحدًا من أهم الروابط التجارية بين المحيط الهندي والبحر المتوسط، وكانت السفن والتجار المسلمون يتحركون عبر شبكة واسعة تصل الهند واليمن والحجاز ومصر، ثم تتصل بالأسواق المتوسطية.

ولهذا لا يمكن فهم سياسة برسباي التجارية بعيدًا عن الجغرافيا.

كان الرجل يقف فوق عقدة نادرة.

لكن العقدة وحدها لا تكفي.

فالطريق يحتاج إلى حماية.

والميناء يحتاج إلى أمن.

والساحل يحتاج إلى قوة بحرية قادرة على رد الهجمات.

وهنا يظهر الوجه الآخر لبرسباي.

فالسلطان الذي اهتم بأسعار الفلفل لم يكن غافلًا عن السفن.

بل كان يعرف أن التجارة التي لا تحميها القوة قد تصبح ثروة لخصمك.

وكان البحر المتوسط تحديدًا يحمل ذاكرة طويلة من الهجمات على السواحل والموانئ المملوكية، ولذلك اتجه برسباي إلى تقوية الأسطول والدفاع عن الساحل.

لكن الاختبار الحقيقي جاء من قبرص.

قبرص، عندما تحولت التجارة إلى حرب

لم تكن قبرص مجرد جزيرة بعيدة عن القاهرة.

كانت تقع في موقع حساس من شرق البحر المتوسط، وكان ميناء فاماغوستا منافسًا مهمًا للموانئ الواقعة تحت النفوذ المملوكي.

كما أن الذاكرة المملوكية لم تنسَ الهجمات الأوروبية السابقة على الإسكندرية وسواحل الشام.

لذلك كان اهتمام برسباي بقبرص اقتصاديًا وأمنيًا وسياسيًا في الوقت نفسه.

وفي سنة 1426م أرسل حملة بحرية وعسكرية كبيرة إلى الجزيرة.

وانتهت الحملة بهزيمة القبارصة وأسر ملك قبرص جانوس ونقله إلى القاهرة، ثم أصبحت قبرص في وضع التبعية للسلطنة المملوكية.

وبذلك لم تعد فاماغوستا تمثل التحدي نفسه للموانئ الواقعة تحت النفوذ المملوكي.

وهنا يظهر بوضوح أن برسباي لم يكن سلطانًا اقتصاديًا فقط.

لقد كان يدرك أن التجارة والقوة العسكرية وجهان متداخلان.

فالميناء الذي لا تستطيع حمايته قد يتحول إلى منفذ يدخل منه خصمك إلى تجارتك.

لكن الانتصار لا يملأ الخزانة وحده

كان برسباي يعرف أن الحرب قد تمنح السلطان هيبة، وأن السيطرة السياسية قد تفتح أبوابًا تجارية، لكن الدولة تحتاج إلى مورد يتكرر.

فالغنيمة تأتي مرة.

أما التجارة فتعود كل يوم.

ولهذا أصبحت السيطرة على حركة السلع أكثر إغراءً من الاعتماد على المكاسب العسكرية وحدها.

لكن المشكلة أن الدولة عندما تتدخل في السوق بصورة شديدة قد تحصل على موارد سريعة، بينما تدفع التجارة نفسها ثمنًا على المدى البعيد.

وهنا ظهرت إحدى مفارقات عصر برسباي:

السياسة التي تزيد موارد الدولة اليوم قد تضعف بعض عناصر القوة التجارية التي تحتاج إليها الدولة غدًا.

ولهذا فإن الحكم على سياسة برسباي لا ينبغي أن يكون بسيطًا.

فقد زادت هذه السياسات من قدرة السلطنة على تحصيل الموارد، لكنها في الوقت نفسه فرضت أعباء وضغوطًا على بعض التجار وحركة التجارة، وهو ما جعل آثارها الاقتصادية بعيدة المدى أكثر تعقيدًا. وتشير الدراسات الحديثة إلى أن تدخل الدولة في تسويق السلع المربحة عزز الخزانة على المدى القصير، لكنه أضر بالموقف التنافسي للسلطنة على المدى الطويل.

وهنا لا يصبح برسباي مجرد «سلطان احتكر التجارة».

بل يصبح نموذجًا لدولة تحاول إنقاذ مواردها في ظرف اقتصادي صعب، وتدفع ثمن بعض الأدوات التي استخدمتها لتحقيق ذلك.

برسباي لا يريد المال فقط بل يريد النفوذ

وهنا نصل إلى جوهر المسألة.

لم يكن برسباي يريد أن تجمع خزينة الدولة مزيدًا من الأموال فقط.

كان يريد أن تكون الدولة قادرة على التأثير في الطرق التي تتحرك فيها هذه الأموال.

وهذا فرق كبير.

فالضريبة تحصل من التجارة.

أما الاحتكار فيدخل إلى قلب التجارة نفسها.

والسلطان الذي يستطيع التأثير في السلعة، والميناء، والطريق، وشروط البيع، يصبح أكثر قدرة على التأثير في شبكة اقتصادية واسعة.

لكن هذه القوة كانت مرتبطة بحدود الجغرافيا.

فالتاجر يستطيع أن يغير طريقه.

والبحار يستطيع أن يبحث عن ميناء آخر.

والسلعة يمكن أن تتحرك في شبكة أوسع من حدود دولة واحدة.

وهنا كان يكمن الخطر الذي لم يكن ظاهرًا بعد.

فالمشكلة لم تكن أن المماليك فقدوا السيطرة على التجارة.

بل أن العالم نفسه كان يستعد لتغيير طرق الوصول إلى التجارة.

سلطان ينظر إلى البحر ، ولا يرى كل ما يقترب

كان البحر الأحمر بالنسبة إلى المماليك مصدر قوة.

لكن البحر نفسه كان يحمل في داخله تحولًا أكبر.

ففي أوروبا كانت هناك رغبة متزايدة في الوصول إلى أسواق الشرق بصورة مباشرة.

لم يعد السؤال:

كيف نشتري التوابل؟

بل بدأ يتحول إلى سؤال أخطر:

كيف نصل إلى مصدر التوابل دون المرور بكل الوسطاء الذين يقفون بين الشرق وأوروبا؟

هذا السؤال لم يكن موجّهًا ضد المماليك وحدهم.

كان جزءًا من تحول أوروبي أوسع في فهم الجغرافيا والبحر والتجارة.

ومع تقدم الملاحة البرتغالية على سواحل إفريقيا، بدأ الطريق البحري حول القارة يظهر باعتباره احتمالًا حقيقيًا للوصول إلى المحيط الهندي.

وهنا يصبح المشهد أكثر خطورة بالنسبة إلى القاهرة.

فبرسباي كان يحاول أن يمسك بخيوط شبكة تجارية قائمة منذ قرون.

لكن المنافس القادم لم يكن يريد انتزاع خيط منها.

كان يريد أن يجد طريقًا آخر بالكامل.

طريقًا لا يمر بالطرق القديمة التي بنت عليها مصر ثروتها ومكانتها.

وهنا تغير السؤال.

لم يعد:

من يملك التجارة؟

بل:

من يستطيع أن يغير الطريق الذي تسير فيه التجارة؟

حين مات برسباي ، لم تمت سياسته

توفي برسباي سنة 1438م بعد نحو ستة عشر عامًا من الحكم.

ترك وراءه دولة استطاعت أن تعزز نفوذها في مناطق مهمة، وتجربة اقتصادية تكشف الكثير عن طبيعة الدولة المملوكية في القرن الخامس عشر.

لقد أثبت أن السلطان يستطيع أن يستخدم التجارة أداة من أدوات الحكم.

لكنه أثبت أيضًا أن الدولة، مهما بلغت قوتها، لا تستطيع أن تفصل التجارة عن مصالح التجار والبحارة والموانئ والطرق الدولية.

وكان البحر الأحمر لا يزال أحد أهم الشرايين التي تربط الشرق بالغرب.

لكن الشرايين الكبرى تجذب الطامعين.

وفي اللحظة التي كانت القاهرة تحاول فيها إحكام قبضتها على طريق التوابل، كان رجال في أقصى غرب العالم القديم يبحرون بحثًا عن طريق جديد إلى الشرق.

لم يكن الخطر القادم جيشًا يعبر سيناء.

ولم يكن مغولًا يقترب من الشام.

ولم يكن أميرًا مملوكيًا ينازع سلطان القاهرة.

كان الخطر هذه المرة قادمًا من البحر.

وكان هدفه واضحًا:

طريق التوابل.

لكن المفارقة أن الطريق الذي أراد برسباي أن يحكم السيطرة عليه لم يكن طريقًا ثابتًا إلى الأبد.

ففي التاريخ، لا تكفي السيطرة على الطريق.

لأن قوة جديدة قد تظهر ذات يوم لا تحاول الاستيلاء على الطريق القديم…

بل تحاول أن تصنع طريقًا جديدًا يتجاوزه.

ومن هنا يبدأ فصل جديد.

فصل لم تعد فيه المنافسة بين سلاطين وأمراء على ميناء أو قافلة.

بل بين عالمين يعيدان اكتشاف البحر.

وعندما يبدأ البحر في تغيير طرق التجارة، فإنه لا يغير أسعار السلع وحدها.

إنه قد يغير موازين القوى، ومصائر الدول، وحتى شكل العالم.

من وراء الستار…

التاريخ لا يكتفي بأن يخبرنا أن برسباي احتكر الفلفل، أو حارب في قبرص، أو عزز نفوذه في جدة.

الأهم أنه يكشف لنا كيف تفكر الدول عندما تضيق مواردها.

تبدأ بالبحث عن المال.

ثم تبحث عن الطريق الذي يأتي منه المال.

ثم تحاول حماية الطريق.

ثم تسعى إلى السيطرة على جزء أكبر من التجارة التي تمر عبره.

لكن التاريخ يحمل دائمًا مفاجأته الكبرى:

قد تنجح دولة في السيطرة على طريق لقرون، ثم يأتي منافس لا يحاول كسر سيطرتها عليه، بل يلتف حولها ويبحث عن طريق آخر.

وهذه هي اللحظة التي كان العالم يقترب منها.

لم يكن برسباي يعرف أن وراء الأفق البحري عالمًا جديدًا يتشكل.

لكن بعد عقود قليلة، سيظهر رجال يحملون خرائط مختلفة، وسفنًا مختلفة، وطموحًا مختلفًا.

وسيسألون السؤال الذي سيهز توازن التجارة القديمة:

هل يمكن الوصول إلى الهند دون المرور بمصر؟

ومن هنا تبدأ الحكاية القادمة:

حين بدأ البحر يغيّر خريطة العالم

من طريق التوابل الذي أغنى المماليك إلى الطريق البحري الذي هدد إمبراطوريتهم

زر الذهاب إلى الأعلى