أدب وثقافة

حين دخل تيمور الشام بقلم / محمد مصطفى كامل

التاريخ من وراء الستار

حين دخل تيمور الشام

 

بقلم / محمد مصطفى كامل

الرجل الذي خرج من وراء العراق، حتى وقف على أبواب دمشق

في المقال السابق، تركنا السلطان برقوق بعد أن استعاد عرشه، وأصبح أول سلاطين المماليك الشراكسة الذين سيطروا على مصر والشام لسنوات طويلة.

لكن برقوق مات سنة 1399م.

وكان موته في توقيت شديد الحساسية.

فالرجل الذي أمضى سنوات في تثبيت سلطته، وإخماد خصومه، وإعادة بناء شبكة القوة حول السلطنة، ترك العرش لابنه الناصر فرج، وكان لا يزال صبيًا.

وفي اللحظة نفسها تقريبًا، كان رجل آخر قد أنهى مرحلة طويلة من التوسع في الشرق.

لم يعد تيمور عند حدود العراق.

كان قد بسط نفوذه على مساحات واسعة من آسيا الوسطى وإيران والعراق، وأصبح جيشه قادرًا على التحرك لمسافات هائلة.

وكان يعرف أن الطريق إلى الغرب لا يزال مفتوحًا.

ثم جاء الخبر الذي ربما كان ينتظره:

برقوق مات.

لم يعد السلطان الذي كان قد وقف في وجهه موجودًا.

والسلطان الجديد طفل.

أما دمشق فكانت في الطريق.

طفل على عرش المماليك

عندما مات برقوق، تولى ابنه الناصر فرج السلطنة.

كان صغير السن، ولذلك لم تكن المشكلة في اسمه، وإنما فيمن سيمسك زمام الحكم من خلفه.

فالسلطنة المملوكية لم تكن دولة يستطيع فيها السلطان الصغير أن يحكم وحده.

كان حوله أمراء كبار.

لكل واحد منهم مماليكه.

ولكل منهم طموحه.

وكانت الشام نفسها تحتاج إلى قيادة قوية؛ لأنها كانت خط الدفاع الأول عن مصر في مواجهة أي جيش قادم من الشرق.

وكان تيمور يعرف ذلك.

فالشام ليست مجرد أرض بين العراق ومصر.

إنها البوابة.

ومن يسيطر عليها يستطيع أن يهدد مصر من الشمال.

وهنا لم يكن تيمور يواجه سلطانًا قويًا مثل برقوق.

بل دولة يقودها سلطان صغير، وأمراء يتنافسون فيما بينهم.

وهذا جعل اللحظة تبدو مختلفة تمامًا.

لماذا الشام؟

قد يبدو أن تيمور كان يتحرك بلا هدف، من مدينة إلى أخرى.

لكن حملته على الشام لم تكن حادثًا عابرًا.

فمنذ سنوات كان هناك توتر بينه وبين المماليك.

وكان برقوق قد اتخذ موقفًا معاديًا له، وتقارب مع خصومه، ومنهم السلطان العثماني بايزيد الأول وخان القبيلة الذهبية توقتمش، كما أعدم رسل تيمور في القاهرة وفق الرواية الشائعة في المصادر التي تناولت العلاقة بين الطرفين.

لكن برقوق رحل قبل أن يدفع ثمن موقفه.

أما ابنه فرج ،

فورث المشكلة.

ولم يرث معها خبرة أبيه.

الطريق من الشرق

في سنة 1400م تحرك تيمور نحو بلاد الشام.

كان قد سبق له أن هدد المنطقة، لكنه الآن جاء بجيش فعلي.

لم يكن تحركه مجرد غارة سريعة.

كان جيشًا إمبراطوريًا يتحرك باتجاه قلب الأراضي المملوكية.

وقبل وصوله إلى حلب، كان قد ضرب مناطق في الأناضول وأرمينيا وجورجيا، ثم اتجه جنوبًا.

وسقطت مدن مهمة في طريقه.

وفي سبتمبر 1400م سقطت سيواس، ثم ملطية، ثم اتجه تيمور إلى المنطقة التي يعرف الجميع أنها ستكون الاختبار الحقيقي:

حلب.

كانت حلب مدينة عظيمة.

مركزًا تجاريًا.

وقاعدة عسكرية.

وحلقة وصل بين العراق والأناضول والشام.

ولذلك لم يكن سقوطها مجرد فقدان مدينة.

كان فتح الباب.

حلب تستعد

عندما اقترب جيش تيمور، كان في حلب رجال المماليك.

وكانت المدينة محصنة، ولها قلعة قوية.

واجتمع بها عدد كبير من القوات.

وتذكر الروايات أن الجيش المملوكي الذي تجمع في مواجهة تيمور كان كبيرًا، وأن القتال بدأ بمناوشات ثم تحول إلى معركة حقيقية.

لكن المماليك كانوا أمام جيش يملك خبرة طويلة في الحروب المتحركة.

وكانت قوة تيمور لا تعتمد على العدد وحده.

بل على سرعة الحركة.

والفرسان.

والالتفاف.

واستخدام الصدمة العسكرية.

وفوق ذلك ، كان تيمور يعرف كيف يحول المعركة إلى حرب نفسية.

فهو لا يريد فقط أن يهزم الجيش.

بل يريد أن يجعل المدن التالية تفكر:

ماذا سيحدث لنا إذا قاومنا؟

المعركة التي فتحت الطريق

دارت المواجهة أمام حلب.

وقاوم المماليك.

وكان بينهم أمراء وقادة أظهروا شجاعة كبيرة.

لكن ميزان المعركة مال في النهاية إلى جيش تيمور.

وانكسر الجيش المملوكي.

وانفتح الطريق أمام القوات التيمورية.

ثم جاءت المرحلة الأكثر قسوة.

دخلت قوات تيمور إلى حلب في أواخر أكتوبر وبداية نوفمبر 1400م.

وتعرضت المدينة للنهب والقتل، وتذكر المصادر رواية بناء برج من جماجم القتلى، وهي صورة ارتبطت بحملات تيمور في عدد من المدن.

ولا ينبغي التعامل مع أرقام الضحايا الواردة في الروايات الوسيطة باعتبارها إحصاءات دقيقة بالمعنى الحديث؛ فالأرقام تختلف بين المصادر، لكن حجم الكارثة نفسها ليس موضع شك في المصادر التي تحدثت عن الحملة.

وكانت الرسالة واضحة:

حلب لم تعد قادرة على إيقافه.

وبعد حلب ، لم يتوقف

كان من الممكن أن يكتفي تيمور بحلب.

لكنه لم يفعل.

تحرك جنوبًا.

وسقطت حماة.

ثم حمص.

ثم بعلبك.

وبذلك لم يعد تيمور بعيدًا عن دمشق.

كان يتحرك داخل المجال السوري المملوكي مدينة بعد أخرى.

والخبر يصل إلى القاهرة.

وفي القاهرة كان السلطان فرج يستعد.

لم يكن يستطيع أن يترك الشام تسقط دون محاولة للدفاع عنها.

فإذا سقطت دمشق، فإن الطريق إلى مصر يصبح أقصر.

ولهذا خرج السلطان بنفسه من القاهرة على رأس الجيش.

وكان معه عدد من كبار الأمراء.

ومن بين من رافقوه رجل لم يكن قائدًا عسكريًا بالمعنى التقليدي.

لكنه كان أحد أعظم عقول عصره.

عبد الرحمن بن خلدون.

ابن خلدون يدخل الحرب

كان ابن خلدون قد بلغ أواخر عمره.

الرجل الذي كتب عن قيام الدول وسقوطها، وعن العصبية، وعن أسباب قوة الدول وضعفها، وجد نفسه الآن يسافر مع جيش سلطان شاب إلى أرض ستشهد واحدة من أكبر الكوارث السياسية والعسكرية في عصره.

خرج ابن خلدون مع السلطان فرج من مصر سنة 1400م.

وتوجه الجيش شمالًا.

وصلوا إلى غزة.

ثم واصلوا إلى دمشق.

وتذكر الرواية التي نقلها ابن خلدون في سيرته أنه كان ضمن حاشية السلطان، وأن الجيش تحرك إلى دمشق لمواجهة تيمور.

وهنا يلتقي رجلان من عالمين مختلفين.

أحدهما:

تيمور ، رجل يصنع التاريخ بالسيف.

والآخر:

ابن خلدون ، رجل يحاول أن يفهم لماذا تصنع الدول التاريخ ثم تنهار.

ولم يكن أي منهما يعرف أن لقاءهما سيصبح واحدًا من أشهر اللقاءات الفكرية والسياسية في تاريخ العصور الوسطى.

دمشق ترى الخطر

عندما اقترب تيمور من دمشق، كان الخوف قد سبق جيشه.

لم تكن المدينة قد نسيت ما حدث في حلب.

وكانت تعرف أن تيمور لم يأتِ لزيارة.

أرسل تيمور رسائل إلى أهل دمشق.

وطلب منهم التسليم.

وكانت المدينة أمام خيارين:

المقاومة ، أو التفاوض.

لكن دمشق لم تكن مدينة عادية.

كانت عاصمة الشام.

ومدينة الأمويين.

ومركزًا للعلم والتجارة والحرف.

وفيها علماء وقضاة وتجار وصناع وأمراء.

وكان سقوطها يعني أكثر من مجرد تبدل حاكم.

يعني أن قوة خارجية أصبحت تسيطر على قلب الشام.

السلطان فرج أمام تيمور

وصل السلطان فرج بجيشه.

لكن الجيش المملوكي لم يدخل المعركة في ظروف مثالية.

كان هناك صراع داخل القيادة.

وكان السلطان شابًا.

وكان بعض الأمراء ينظرون إلى الأحداث من زاوية مصالحهم الخاصة.

أما تيمور فكان يعرف كيف يستغل الانقسام.

وقعت مواجهات خارج دمشق.

وانتهت بتراجع الجيش المملوكي.

وتشير الروايات إلى أن قوات السلطان فرج لم تستطع الصمود أمام جيش تيمور، فعاد فرج إلى مصر، بينما بقيت دمشق أمام مصيرها الصعب.

لكن هنا حدث شيء بالغ الأهمية.

لم يكن فرج وحده من غادر.

كان معه جزء من القوة التي كان يمكن أن تدافع عن المدينة.

وبقيت دمشق في مواجهة جيش تيمور.

ابن خلدون خلف الأسوار

هنا أخذت القصة منحى مختلفًا.

كان ابن خلدون داخل دمشق.

والمدينة محاصرة.

والجيش المملوكي الرئيسي قد انسحب.

والناس ينتظرون ما سيحدث.

وفي تلك اللحظة، ظهر دور الرجل الذي أمضى حياته في دراسة الدول.

بدأت المفاوضات.

وأصبح ابن خلدون أحد أعضاء الوفد الذي خرج للتفاوض مع تيمور.

وهنا وقعت واحدة من أغرب لحظات التاريخ.

رجل درس سقوط الدول ،

يجلس أمام رجل أسقط دولًا.

رجل كتب عن العمران والدولة والعصبية ،

أمام رجل كان يرى العالم من فوق ظهر حصانه.

وقد ترك ابن خلدون وصفًا مهمًا للقاء، ويعد من أهم الشهود الذين وصلتنا شهادتهم عن تيمور وحملته على الشام. وتذكر المصادر أنه أمضى أسابيع في معسكر تيمور خلال حصار دمشق وتفاوض معه.

ماذا أراد تيمور؟

لم يكن تيمور يريد دمشق فقط.

كان يريد أن يعرف:

هل ستستسلم؟

هل سيدفع أهلها المال؟

هل ستفتح أبوابها؟

هل يستطيع الحصول على ما يحتاجه من صناعاتها وحرفها؟

فالمدن في نظر الفاتحين ليست مجرد جدران.

المدينة أيضًا:

علم.

وحرفة.

وتجارة.

وصناع.

وثروة.

ولهذا كانت المدن الكبرى هدفًا استراتيجيًا حتى بعد انتهاء القتال.

وقد اشتهر تيمور بسياسة نقل عدد من الحرفيين والصناع المهرة من المدن التي فتحها إلى عاصمته سمرقند، وهو ما ارتبط بحملته على دمشق أيضًا.

وهنا نفهم لماذا كان سقوط مدينة كبرى أخطر من مجرد تغيير علم فوق أسوارها.

فأحيانًا لا يأخذ الفاتح المدينة فقط.

بل يأخذ معها جزءًا من روحها.

ابن خلدون أمام تيمور

كان اللقاء طويلًا.

وتحدث ابن خلدون مع تيمور.

وقدم له معلومات عن بلاد المغرب، وتحدث معه في أحوال البلاد والأمم.

وكان تيمور مهتمًا بالمعرفة الجغرافية والسياسية، وسأل ابن خلدون عن بلاد المغرب، وعن تاريخها وقبائلها وأحوالها.

وهنا تظهر مفارقة شديدة العمق.

تيمور كان يملك القوة.

وابن خلدون كان يملك المعرفة.

لكن كلاهما كان يعرف أن القوة وحدها لا تكفي لصناعة دولة تدوم.

ابن خلدون رأى بعينه ما كان يدرسه في كتبه:

جيش يأتي من بعيد ،

مدينة محاصرة ،

حاكم يفر ،

نخب تتفاوض ،

وسكان ينتظرون مصيرهم.

لكن المفاوضات لم تنقذ دمشق.

المدينة التي انتظرت النهاية

استمر الحصار.

وتعرضت المدينة لضغط شديد.

ثم جاءت اللحظة التي بدأت فيها أبوابها تفتح على مصير مجهول.

وتختلف الروايات في تفاصيل المفاوضات وشروط التسليم وما جرى بعد ذلك، لكن الثابت أن دمشق وقعت في يد تيمور في بداية سنة 1401م، بعد حصار طويل ومفاوضات لم تمنع الكارثة التي أعقبت دخول قواته.

وكان ذلك سقوطًا مؤلمًا.

لكننا لن نفصل تفاصيل سقوط دمشق وما جرى داخلها هنا.

لأن تلك اللحظة تستحق مقالًا كاملًا.

ففيها سيلتقي:

تيمور.

وابن خلدون.

والسلطان فرج.

وعلماء دمشق.

وأمراء المماليك.

وفيها ستظهر صورة مرعبة لما يحدث عندما تنهار قدرة الدولة على حماية إحدى أعظم مدنها.

من وراء الستار…

لم يدخل تيمور الشام لأنه كان يبحث عن مدينة واحدة.

لقد دخلها في لحظة ضعف سياسي مملوكي.

برقوق مات.

والسلطان فرج كان صغيرًا.

والأمراء منقسمون.

والشام بعيدة عن القاهرة.

وتيمور كان يملك جيشًا اعتاد على الحرب المتواصلة.

ولهذا تحولت المسافة بين العراق والشام إلى طريق مفتوح.

سقطت حلب.

ثم حماة.

ثم حمص.

ثم بعلبك.

وبقيت دمشق.

لكن سقوط دمشق لم يكن مجرد فصل آخر في حملة عسكرية.

كان اختبارًا حقيقيًا لدولة المماليك.

هل يستطيع جيش هزم المغول في عين جالوت قبل قرن ونصف تقريبًا أن يوقف تيمور؟

أم أن التاريخ تغير، والعدو تغير، والجيش تغير، والسياسة تغيرت؟

كان الجواب ينتظر خلف أسوار دمشق.

وفي المقال القادم سنفتح ذلك الباب…

لنرى كيف سقطت دمشق، وكيف دخل تيمور المدينة، وماذا حدث لعلمائها وصناعها وأهلها، ولماذا كان ابن خلدون أحد آخر الرجال الذين تحدثوا مع الفاتح قبل أن تنزل الكارثة على المدينة.

حين سقطت دمشق أمام تيمور.

 

زر الذهاب إلى الأعلى