حين دخل شيركوه مصر.
بقلم / محمد مصطفى كامل
كانت مصر في ذلك الوقت تبدو من الخارج كما لو أنها لا تزال تحتفظ بكل شيء.
القاهرة عامرة. الأسواق مزدحمة. النيل يجري في موعده. والقصر الفاطمي ما زال قائمًا. والخليفة ما زال يجلس على عرش الدولة، وتُذكر الخطبة باسمه، وتُضرب العملة باسمه.
لكن خلف هذا المشهد كانت مصر قد بدأت تفقد شيئًا أخطر من المال والجيش. كانت تفقد تماسك الدولة. فالدولة الفاطمية التي كانت يومًا قوة كبرى تمتد من مصر إلى بلاد المغرب، وتنافس الخلافة العباسية في بغداد، لم تعد في أواخر عهدها تشبه الدولة التي أسسها الفاطميون قبل قرنين.
الخليفة أصبح أضعف من أن يحكم وحده. والوزير أصبح أقوى من أن يكون مجرد موظف في الدولة. والقادة العسكريون أصبحوا طرفًا في صناعة القرار.
وفي القصر، لم يكن الصراع يدور دائمًا حول من يجلس على العرش،بل حول من يملك مفاتيح العرش. وكانت المشكلة أن هذا الضعف الداخلي جاء في أسوأ وقت ممكن.
فمصر لم تكن تعيش بعيدًا عن صراع المنطقة. على حدودها الشرقية كانت الممالك الصليبية تراقب ثروتها وموقعها.
وفي الشام كان نور الدين زنكي يبني قوة جديدة، ويعرف أن بقاء مصر خارج دائرة الصراع قد يكون مسألة حياة أو موت بالنسبة إلى مشروعه في مواجهة الصليبيين.
أما داخل مصر، فقد تحولت المنافسة على الوزارة إلى صراع مفتوح.
ومن هنا بدأ الخطر الحقيقي. لأن الدولة حين تضعف من الداخل، لا تحتاج القوى الخارجية إلى كسر أبوابها. يكفي أن تجد من يفتح لها الباب. وهذا ما حدث بالفعل. رجل يخرج من مصر طالبًا النجدة. ورجل آخر يسيطر على الحكم. والصليبيون يترقبون. ونور الدين يرى أن مصر لا يجوز أن تسقط. ثم يتحرك جيش من دمشق باتجاه القاهرة.
وفي مقدمة هذا الجيش قائد كردي شديد البأس، اسمه أسد الدين شيركوه. ومعه شاب لم يكن أحد يتوقع أن يكون دخوله إلى مصر بداية قصة ستغير وجه المنطقة كلها.
يوسف بن أيوب.
ومن هنا تبدأ الحكاية.
حين دخل شيركوه مصر.
الرجل الذي جاء لإنقاذ مصر، ففتح الطريق أمام دولة جديدة قبل أن يصبح صلاح الدين الأيوبي سلطانًا. وقبل حطين. وقبل القدس. وقبل أن يعرف العالم اسم الأيوبيين. كانت هناك مصر.
مصر التي كانت تعيش واحدة من أخطر لحظات تاريخها.
خليفة فاطمي يجلس على العرش، لكن سلطته تتآكل.
ووزراء يتصارعون على الحكم.
وصليبيون يراقبون من الشام.
وفي دمشق رجل اسمه نور الدين زنكي يدرك أن سقوط مصر في يد الصليبيين قد يغيّر ميزان المنطقة كلها.
ثم ظهر رجل آخر.
لم يكن سلطانًا.
ولا خليفة.
ولا صاحب دولة.
كان قائدًا عسكريًا اسمه: أسد الدين شيركوه.
ومعه شاب لم يكن أحد يعرف أن التاريخ يخبئ له شيئًا كبيرًا.
اسمه يوسف بن أيوب.
صلاح الدين.
مصر، حين بدأ الخلاف الداخلي يفتح الباب للخارج
كانت الدولة الفاطمية قد دخلت مرحلة ضعف عميقة.
الخلافة لا تزال قائمة في القاهرة، والخليفة العاضد لدين الله لا يزال على رأس الدولة من الناحية الرسمية، لكن السلطة الفعلية أصبحت تدور حول الوزراء والقادة.
وكان أخطر ما في الأمر أن الصراع لم يعد مجرد خلاف داخل القصر.
لقد أصبح صراعًا على مصر نفسها.
كان شاور أحد كبار رجال الدولة، لكنه دخل في صراع مع منافسه ضرغام، وانتهى الأمر بخروج شاور من مصر ولجوئه إلى نور الدين زنكي في دمشق.
وهنا ارتكب شاور ما سيغيّر تاريخ مصر.
طلب النجدة من نور الدين.
لكنه لم يكن يعرف أن الرجل الذي سيأتي لن يكون مجرد عابر سبيل.
لماذا اهتم نور الدين بمصر؟
السؤال هنا أهم من تفاصيل الحملة.
لماذا يهتم حاكم دمشق بمشكلة وزير في القاهرة؟
لأن مصر لم تكن بالنسبة إلى نور الدين مجرد دولة بعيدة.
كانت مفتاحًا للصراع كله.
إذا سيطر الصليبيون على مصر، أصبح بإمكانهم الضغط على الشام من جهتين.
أما إذا خرجت مصر من دائرة الخطر، فقد تصبح قاعدة قوية لمواجهة الصليبيين.
كان نور الدين ينظر إلى الخريطة كاملة.
ولذلك قرر التدخل.
وأرسل جيشًا بقيادة أحد أقوى رجاله:
أسد الدين شيركوه.
وكان معه ابن أخيه الشاب يوسف بن أيوب.
وهنا دخل صلاح الدين مصر لأول مرة.
الحملة الأولى.
وصل شيركوه إلى مصر سنة 559هـ/1164م.
كان هدفه الظاهر إعادة شاور إلى الوزارة.
لكن الأحداث تحولت بسرعة إلى شيء أكبر.
التقى جيش شيركوه بقوات ضرغام.
وانتهت المواجهة بهزيمة ضرغام ومقتله.
دخل شيركوه المشهد المصري.
وعاد شاور إلى الوزارة.
وهنا كان من المفترض أن تنتهي القصة.
لكن السياسة لا تنتهي عندما يتحقق الاتفاق.
بل تبدأ أحيانًا.
فقد طلب شيركوه من شاور الوفاء بما اتفق عليه مع نور الدين.
لكن شاور بدأ يشعر أن وجود جيش شيركوه في مصر يمثل خطرًا على سلطته.
وبدلًا من أن يرى في شيركوه حليفًا.
بدأ يراه منافسًا.
فطلب منه الرحيل.
شيركوه رفض.
ومن هنا بدأ التحالف يتغير.
شاور يستدعي الصليبيين
كان شاور يعرف أن قوة شيركوه أكبر من قدرته على مواجهتها وحده.
ففعل شيئًا أخطر
استنجد بالصليبيين.
وهنا دخلت قوة ثالثة إلى الصراع.
الصليبيون لم يكونوا بحاجة إلى دعوة أفضل من هذه.
فهم يعرفون أن السيطرة على مصر يمكن أن تكون الخطوة التي تغير ميزان القوى في المنطقة.
تحرك ملك القدس عموري بقواته نحو مصر.
وأصبح المشهد شديد التعقيد:
شيركوه يريد تثبيت نفوذ نور الدين.
شاور يريد الاحتفاظ بوزارته.
الصليبيون يريدون مصر.
والفاطميون يحاولون البقاء في قلب هذا الصراع.
أما الشاب يوسف بن أيوب،فكان يتعلم.
بلبيس، حين حاصر الصراع الجميع
تحصن شيركوه في بلبيس.
وحاصرته القوات المصرية والصليبية.
لم يكن أمامه جيش ضخم يستطيع من خلاله حسم المعركة بسهولة.
لكن نور الدين كان يقاتل في الشام في الوقت نفسه، وضغط على الصليبيين من هناك.
وهنا بدأت المعادلة تنقلب.
الصليبيون لم يعودوا مطمئنين إلى بقائهم في مصر بينما أراضيهم في الشام مهددة.
وانتهى الأمر بخروج شيركوه من مصر بعد اتفاق.
لكن شيئًا مهمًا كان قد حدث،
لقد اكتشف نور الدين أن مصر ليست مجرد ساحة صراع، بل مفتاح استراتيجي.
واكتشف شيركوه أن العودة إلى مصر ستكون مسألة وقت.
أما يوسف بن أيوب،فقد خرج من مصر بخبرة لم يكن يمتلكها قبل دخوله إليها.
العودة الثاني،لم تنتهِ أزمة مصر.
بل ازدادت.
عاد شيركوه إلى مصر مرة أخرى سنة 562هـ/1167م.
وكان الصراع هذه المرة أكثر تعقيدًا.
الصليبيون تدخلوا من جديد.
وشاور غيّر تحالفاته مرة أخرى.
وأصبحت مصر ميدانًا لحرب تتداخل فيها المصالح الإسلامية والصليبية والفاطمية.
وفي هذه الحملة بدأ اسم يوسف بن أيوب يظهر أكثر.
لم يعد مجرد شاب يرافق عمه.
لقد بدأ يتولى مهام عسكرية.
وظهر في مواقف ستصبح لاحقًا جزءًا من صورته كقائد.
البابين، والشاب الذي بدأ يلفت الأنظار
التقى جيش شيركوه بالقوات الصليبية المصرية في معركة البابين.
وكانت المعركة اختبارًا حقيقيًا للقوة القادمة من الشام.
وانتهت بانتصار جيش شيركوه.
ثم تحرك شيركوه نحو الإسكندرية.
لكن الصليبيين لم يتوقفوا.
حاصروا المدينة.
وهنا وجد صلاح الدين نفسه في قلب الحدث.
كان عليه أن يتولى الدفاع عن الإسكندرية بينما يتحرك شيركوه خارجها.
ولم يكن ذلك مجرد تفصيل عسكري.
كانت هذه واحدة من اللحظات التي بدأت فيها شخصية صلاح الدين السياسية والعسكرية تتشكل.
لم يكن بعد سلطانًا.
لكن التاريخ بدأ يضعه في المكان الذي سيصنع منه سلطانًا.
ثم جاءت الحملة الثالثة،كان يمكن أن تنتهي الأمور هنا.
لكن مصر لم تهدأ.
والصليبيون لم يتخلوا عن طموحهم.
وشاور ظل يلعب بين القوى المتنافسة.
ثم جاءت اللحظة الأخطر.
تحرك الصليبيون نحو مصر مرة أخرى.
ووصل الخطر إلى القاهرة.
عندها أدرك الخليفة الفاطمي العاضد أن الأمر أصبح أكبر من قدرته على المواجهة.
فاستنجد بنور الدين.
وكان رد نور الدين واضحًا،
شيركوه سيعود إلى مصر.
لكن هذه المرة لم تكن المهمة مجرد مساعدة وزير.
كانت الحملة فاصلة.
564هـ اللحظة التي تغير فيها كل شيء
عاد شيركوه إلى مصر.
ومعه ابن أخيه صلاح الدين.
ولما علم الصليبيون بقدوم الجيش، أدركوا أن الموقف تغير.
لم تعد مصر ساحة سهلة يمكن الدخول إليها والخروج منها.
وانسحبت القوات الصليبية.
ودخل شيركوه القاهرة.
وهنا وقعت المفاجأة.
لم يعد الرجل مجرد قائد جيش.
الخليفة الفاطمي عيّنه وزيرًا.
وأصبح شيركوه الرجل الأقوى في مصر بعد الخليفة.
لكن شاور لم يختفِ من المشهد.
كان لا يزال يمثل خطرًا.
وكانت علاقاته المتقلبة قد جعلت منه سببًا رئيسيًا في الأزمة.
وانتهى الأمر بقتله سنة 564هـ/1169م، بعد أن أصبح الطريق أمام شيركوه مفتوحًا.
لكن التاريخ كان يخبئ مفاجأة أخرى…
قد يظن القارئ أن وصول شيركوه إلى الوزارة هو نهاية القصة.
لكن الحقيقة أن أهم ما في قصة شيركوه.
أنه لم يعش طويلًا بعد وصوله إلى القمة.
بعد أسابيع قليلة فقط من توليه الوزارة، توفي أسد الدين شيركوه فجأة في سنة 564هـ/1169م.
وهنا حدث ما لم يكن يبدو منطقيًا.
مات الرجل الذي قاد الحملات.
مات القائد الذي دخل مصر ثلاث مرات.
مات الرجل الذي كان يمثل قوة نور الدين في القاهرة.
فمن يخلفه؟
كان هناك أمراء أكبر منه سنًا.
وقادة أكثر خبرة.
ورجال يملكون نفوذًا أكبر.
لكن أحد الأسماء بدأ يظهر،
يوسف بن أيوب.
الشاب الذي دخل مصر مع عمه.
الشاب الذي دافع عن الإسكندرية.
الشاب الذي لم يكن يملك جيشًا كبيرًا.
والذي ظن البعض أنه سيكون أسهل من السيطرة عليه.
لكنهم كانوا لا يعرفون الرجل الذي أمامهم.
من شيركوه إلى صلاح الدين
هنا انتهى فصل،وبدأ فصل آخر.
شيركوه دخل مصر قائدًا في جيش نور الدين.
ثم أصبح وزيرًا للخليفة الفاطمي.
ثم مات.
لكن دخوله مصر ترك وراءه شيئًا أكبر من منصب.
لقد فتح الباب أمام ابن أخيه.
ومن هنا بدأ التحول الحقيقي.
فصلاح الدين لم يصل إلى مصر فجأة.
ولم تظهر الدولة الأيوبية في يوم واحد.
لقد سبقتها سنوات من الصراع:
الفاطميون يتراجعون.
الصليبيون يطمعون في مصر.
نور الدين يريد حماية الشام.
شيركوه يدخل مصر.
ثم يخرج.
ثم يعود.
ثم يعود مرة ثالثة.
وفي كل مرة كان الشاب يوسف بن أيوب يقترب أكثر من قلب الأحداث.
حتى جاءت اللحظة التي أصبح فيها هو نفسه وزيرًا.
ومن هنا ستبدأ قصة مختلفة تمامًا.
قصة الرجل الذي لم يكتفِ بأن يرث موقع عمه، بل سيبدأ في بناء قوة ستغير خريطة المنطقة.
لكن قبل أن نصل إلى صلاح الدين،
هناك سؤال لا بد أن نجيب عنه !
كيف استطاع شاب جاء إلى مصر تابعًا لعمه أن يتحول خلال سنوات قليلة إلى الرجل الذي سيُنهي الدولة الفاطمية، ثم ينافس القوى الكبرى في الشام، ثم يفتح الطريق إلى حطين والقدس؟
الإجابة تبدأ من اللحظة التي مات فيها شيركوه.
وتولى يوسف بن أيوب الوزارة.
وهنا تبدأ الحكاية” صلاح الدين”.







