دفء الجذور
همُ الجذورُ إذا الزمانُ تكسَّرا همُ الأمانُ إذا الطريقُ تعسَّرا
همُ من زرعوا في دربِنا أحلامَنا وسقوا براعمَ عمرِنا حتى ازدهرا
همُ من تحمَّلَ في الحياةِ مشقَّةً كي نستريحَ، ويصبحَ الدربُ أيسرا
في كفِّهم تعبُ السنينِ وحبُّهم وبخبزِهم عطرُ الكفاحِ تعطَّرا
كم أشعلوا في ليلِنا قنديلَنا ومضوا ليمنحَنا الصباحَ الأنورا
كم أرهقَ الأيامَ سعيُ أبٍ لنا حتى غدا ظهرُ الكفاحِ مقوَّسا
وتجاعيدُ الأمِّ الحنونِ حكايةٌ تحكي عن الحبِّ العظيمِ إذا جرى
لا تحسبوا أنَّ انحناءَ ظهورِهم يعني بأنَّ المجدَ عنهم أدبرا
فالقممُ الشمَّاءُ رغمَ تواضعٍ تبقى عزيزةَ قدرِها لن تُقهرا
يا أيُّها الأبناءُ، كونوا رحمةً وامسحوا عن وجهِ السنينِ تجبُّرا
كونوا لهم دفءَ البيوتِ إذا خبتْ شمسُ الشبابِ، وأصبحَ الليلُ اعترا
لا ترفعوا صوتًا عليهم، إنَّهم من أجلِكم صبروا الزمانَ وأكبَرا
كم كلمةٍ خرجتْ بغيرِ تروٍّ تركتْ بعمقِ القلبِ جرحًا مُضمَرا
فاجعلْ كلامَكَ بلسمًا في سمعِهم وامنحْ عيونَهمُ الحنانَ معطَّرا
وارفقْ بأمٍّ قد سهرتْ من أجلِنا حتى غدا سهرُ الليالي جوهرا
وارحمْ أبًا أفنى الشبابَ لأجلِنا ومضى يُخبِّئُ وجعَهُ متصبِّرا
فالشيبُ ليسَ سوى الشهادةِ أنَّهم أفنوا الحياةَ لكي نعيشَ ونكبُرا
في كلِّ خطٍّ بالوجوهِ حكايةٌ وفي كلِّ تجعيدةٍ حبٌّ قد نما
فالعمرُ يمضي، والسنونُ سريعةٌ والحبُّ يبقى إنْ رعَيْناهُ انتماءً
لا تنتظرْ يومَ الرحيلِ لتشتكي شوقًا، وتبكي بعدما الزمنُ انقضى
فاليومَ أمُّكَ بينَ كفَّيكَ التي إنْ ضمَّها قلبُكَ استراحتْ وارتوى
واليومَ أبُوكَ الذي أفنى الصبا يحتاجُ منكَ وفاءَ قلبٍ قد صفا
والعائلةُ الكبرى ليستْ جدرانَنا بل رحمةٌ تجعلْ قلوبَنا ملتقى
إنْ ضاقَ صدرُ أخيكَ فاحتضنْ أساهُ واجعلْ له من دفءِ قلبِكَ مُلتجى
وإذا بكتْ روحٌ، فكنْ كتفًا لها وامسحْ دموعَ الحزنِ حتى تنجلي
والمجتمعُ يسمو إذا صُنَّا الكبارْ وأكرمْنا مَن صاغوا لنا معنى الوقارْ
فمَن احترمْ شيبَ الرؤوسِ فإنَّهُ يحمي الأصالةَ، يستعيدُ به الفخارْ
والوالدانِ وصيَّةُ الرحمنِ في آياتِهِ، وبِرُّهما دربُ القرارْ
قالَ الإلهُ: «وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا» فاجعلْ رضاهم في حياتِكَ خيرَ دارْ
«وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ» فالبرُّ نورٌ، والحنانُ هو المسارْ
فازرعْ من البرِّ الجميلِ فإنَّهُ يومًا سيُزهرُ في حياتِكَ كالأزهارْ
إنْ كنتَ ظلًّا للوالدينِ بضعفِهم جاءتْكَ أبناءُ الوفاءِ بكلِّ دارْ
هذي الجذورُ إذا حفظنا عهدَها أزهرتْ حياتُنا محبَّةً وازدهارْ
فاحفظْ عزيزَكَ قبلَ أن يمضي به عمرٌ، وتبقى في الفؤادِ به النارْ
لا شيء يعدلُ دفءَ حضنٍ صادقٍ لا المالُ يبقى، لا الجمالُ، ولا الديارْ
دفءُ الجذورِ هو الأمانُ لروحِنا وبه يطيبُ العمرُ، يزهو كالنهارْ
فاحفظْ جذورَكَ، إنَّها سرُّ البقا وبحبِّها تحلو الحياةُ بلا انكسارْ








