عاجلمقالاتمنوعات

رسالة الى معالي وزير التعليم حين ضاقت المدرسة بالفصول… أين ذهب بناء الإنسان؟

رسالة الى معالي وزير التعليم حين ضاقت المدرسة بالفصول…

أين ذهب بناء الإنسان؟

 

بقلم: نجوى نصر الدين

لم تكن المدرسة يومًا ما مجرد جدران تضم فصولًا، ولا سبورة يكتب عليها المعلم، ولا كتابًا يتلقى منه الطفل المعلومات ويحفظها استعدادًا للامتحان.

المدرسة مؤسسة لبناء الإنسان؛ فيها يتعلم الطفل، ويكتشف مواهبه، ويجرب، ويسأل، ويخطئ، ويعيد المحاولة. فيها تتشكل شخصيته، وتنمو مهاراته، ويتعلم كيف يتعاون مع الآخرين، وكيف يعبر عن أفكاره، وكيف يكتشف العالم من حوله.

لكن ماذا يحدث عندما تصبح المدرسة محصورة في الفصول الدراسية، وتختفي منها المساحات التي كانت تمنح الطفل فرصة للتعلم خارج الكتاب المدرسي

تقليل الكثافات… ولكن بأي ثمن؟

لا خلاف على أهمية تقليل الكثافات الطلابية داخل الفصول. فمن حق كل طفل أن يتعلم في بيئة مناسبة، وأن يجد معلمه الوقت الكافي لمتابعته، وأن تتاح له فرصة الفهم والمشاركة

لكن السؤال الذي يستحق أن نطرحه: هل كان من الضروري أن يكون تقليل الكثافات قرارًا مركزيًا يُطبَّق بالطريقة نفسها على جميع المدارس، مهما اختلفت ظروفها ومساحاتها وإمكاناتها؟

لقد شهدت بعض المدارس، تحويل معامل العلوم إلى فصول دراسية، وتحويل حجرات الأنشطة إلى فصول لاستيعاب الطلاب، وتخزين الأجهزة والمعدات التي كانت تُستخدم في التجارب العلمية داخل مخازن أو حجرات أخرى.

وامتد الأمر إلى بعض المكتبات المدرسية، التي أُخذت مساحاتها لتوفير فصول إضافية، ومنها من تم نقلها إلى حجرة أصغر

فحُرم الأطفال من أماكن كان من المفترض أن تفتح أمامهم أبواب القراءة والخيال والمعرفة الحرة.

وهنا لا نتحدث عن مجرد تغيير في توزيع الحجرات، بل عن تغيير في طبيعة الخبرة التعليمية التي تقدمها المدرسة للطفل.

المدرسة ليست فصلًا وكتابًا فقط

كيف نطالب الطفل بحب العلوم، ثم نحرمه من معمل يجري فيه تجربة بنفسه؟

كيف نطالبه بالتفكير والابتكار، ثم نغلق أمامه المساحات التي يستطيع فيها أن يصنع، ويجرب، ويكتشف؟

كيف نتحدث عن تنمية المواهب، بينما تتراجع المساحات المخصصة للفنون والموسيقى والمسرح والأنشطة الرياضية والثقافية؟

إن المعرفة التي يتلقاها الطفل داخل الفصل مهمة، لكنها ليست وحدها ما يصنع شخصيته. فالتجربة العلمية تعلمه الملاحظة والاستنتاج، والمكتبة توسع خياله، والمسرح يمنحه الثقة في التعبير، والنشاط الجماعي يعلمه التعاون وتحمل المسؤولية.

الطفل لا يتعلم بعقله وحده؛ إنه يتعلم بعقله ويديه ومشاعره وعلاقاته بالآخرين.

وحين نختزل المدرسة في الفصول الدراسية، فإننا نختزل مفهوم التعليم نفسه، ونحوّل المؤسسة التي يفترض أن تبني شخصية الطفل إلى مكان لتلقي المعلومات فقط.

قرار واحد… ومدارس مختلفة

إن المدارس المصرية ليست نسخًا متطابقة. هناك مدارس تمتلك مساحات تسمح بإضافة فصول دون المساس بمعاملها أو مكتباتها، وهناك مدارس تعاني ضيق فى المساحة، وهناك مدارس تحتاج إلى حلول هندسية وتنظيمية مختلفة.

ولذلك كان من الممكن أن يكون تقليل الكثافات قائمًا على دراسة ظروف كل إدارة تعليمية وكل مدرسة، مع وضع بدائل تراعي الإمكانات المتاحة وتحافظ على المعامل والمكتبات وحجرات الأنشطة قدر المستطاع.

فليس من المنطقي أن نعالج مشكلة ازدحام الفصول بإلغاء مساحة أخرى يحتاج إليها الطفل في تكوينه ونموه.

قد تكون هناك حلول تتعلق بإعادة توزيع الطلاب، أو استغلال المساحات غير التعليمية، أو تطوير المباني، أو تنظيم اليوم الدراسي وفق ظروف المدرسة. ولكل مدرسة ظروفها التي تستحق أن تُدرس قبل اتخاذ قرار يمس بنيتها التعليمية.

ولذلك كان من الممكن أن يكون تقليل الكثافات قائمًا على دراسة ظروف كل إدارة تعليمية وكل مدرسة، مع وضع بدائل تراعي الإمكانات المتاحة وتحافظ على المعامل والمكتبات وحجرات الأنشطة قدر المستطاع.

فليس من المنطقي أن نعالج مشكلة ازدحام الفصول بإلغاء مساحة أخرى يحتاج إليها الطفل في تكوينه ونموه.

قد تكون هناك حلول تتعلق بإعادة توزيع الطلاب، أو استغلال المساحات غير التعليمية، أو تطوير المباني، أو تنظيم اليوم الدراسي وفق ظروف المدرسة. ولكل مدرسة ظروفها التي تستحق أن تُدرس قبل اتخاذ قرار يمس بنيتها التعليمية.

وماذا عن الأخصائيين؟

هناك جانب آخر لا ينبغي أن نغفله، وهو أثر هذه القرارات في الأخصائيين بمختلف تخصصاتهم.

فالأخصائي الاجتماعي والنفسي وأخصائي المكتبات والأنشطة وغيرهم ليسوا عناصر هامشية داخل المدرسة، ولا مجرد موظفين ينتظرون انتهاء اليوم الدراسي.

إنهم جزء من منظومة بناء الإنسان

وعندما تتقلص المساحات التي يمارسون فيها أدوارهم، وتتراجع فرص النشاط، ويُحرم الأخصائيون من الحوافز المرتبطة بعملهم، وفق ما شهدته بعض التطبيقات، فإن ذلك قد يؤدي إلى فتور الحماس والشعور بأن الدور التربوي الذي يقومون به لم يعد محل تقدير كافٍ.

وهنا يجب أن ننتبه إلى أن الحوافز ليست مجرد أموال تُصرف، بل هي أيضًا رسالة تقدير للعمل، وشعور بأن المؤسسة تؤمن بأهمية هذا الدور.

فكيف نطالب الأخصائي بأن يكتشف مواهب الطلاب، ويعالج مشكلاتهم، وينمي وعيهم، ويشجع مشاركتهم، بينما تتراجع المساحات والإمكانات التي تساعده على أداء رسالته؟

أي مدرسة نريد؟

إن تقليل الكثافات لا ينبغي أن يتحول إلى غاية منفصلة عن بقية أهداف التعليم.

نحن نريد فصلًا مناسبًا، ومعلمًا قادرًا على التدريس، ومعملًا يتيح التجربة، ومكتبة تفتح أبوابها للقراءة، ونشاطًا يوقظ الموهبة، وأخصائيًا اجتماعى ونفسى ومسرح وصحافة الخ يشعر أن عمله جزء أصيل من رسالة المدرسة.

نريد مدرسة تجمع بين المعرفة والتربية، وبين التحصيل الدراسي وبناء الشخصية، وبين الانضباط وإتاحة الفرصة للإبداع

ولذلك فإن السؤال الذي أطرحه ليس اعتراضًا على تقليل الكثافات، وإنما دعوة إلى مراجعة الوسائل التي تحقق هذا الهدف.

هل يمكن أن نخفف ازدحام الفصول دون أن نُفرغ المدرسة من معاملها ومكتباتها وأنشطتها؟

هل يمكن أن نُحسن بيئة التعلم دون أن نُضعف البيئة التي تنمو فيها شخصية الطفل؟

وهل نعيد النظر في القرارات المركزية التي لا تراعي اختلاف المدارس، ونمنح الإدارات التعليمية مساحة من المرونة لاتخاذ حلول تناسب واقعها، مع الحفاظ على الحد الأدنى من الحقوق التعليمية لكل طفل؟

إن نجاح المدرسة لا يُقاس بعدد الفصول التي أضفناها وحدها، ولا بعدد الطلاب الذين استوعبتهم مبانيها، بل بما تتيحه لهم من فرص للتعلم والتفكير والتجربة والنمو.

فالمدرسة التي تُعلّم الطفل كيف يجيب عن السؤال، ثم تحرمه من المساحات التي يتعلم فيها كيف يطرح السؤال، قد تنجح في نقل المعرفة، لكنها تفقد جانبًا أساسيًا من رسالتها في بناء الإنسان.

ولعلنا نحتاج اليوم إلى مراجعة تربوية هادئة، لا تبحث عن إدانة أحد، وإنما تسأل بصدق: كيف نخفف الكثافات، ونحافظ في الوقت نفسه على المدرسة بوصفها فضاءً حيًا للمعرفة والموهبة والوجدان؟ فالفصل يصنع جزءًا من تعليم الطفل، أما المدرسة بكل معاملها ومكتباتها وأنشطتها وعلاقاتها، فهي التي تسهم في صناعة شخصيته.

وهذا هو الفرق بين مدرسة تُخرّج طالبًا يعرف، ومدرسة تُسهم في بناء إنسان يفكر ويبدع ويشعر بالمسؤولية تجاه وطنه

 

زر الذهاب إلى الأعلى