سياسة و اقتصادمقالات

شر البلية ما يضحك. بقلم / عادل شلبي

شر البلية ما يضحك

تحليل سياسي اقتصادي في مشهد الشرق الأوسط 2026

 

بقلم / عادل شلبي

المقدمة: الضحك المرّ

يُقال “شر البلية ما يضحك” حين يبلغ التناقض حداً تصير فيه المأساة مسرحية مكشوفة. والمسرح اليوم هو مجلس الأمن، والجمهور هم شعوب المنطقة، والممثلون معروفون، والمخرج واحد. من يظن أن تل أبيب تتحرك بقرار ذاتي منفصل عن واشنطن وبروكسل، فكأنما يصدق أن الدمية تتكلم بلا خيوط.

أولاً: البعد السياسي.. من يملك جهاز التحكم؟

١. الفيتو ليس قراراً.. بل وظيفة

منذ ١٩٧٦ استخدمت أمريكا الفيتو ٤٥ مرة لحماية إسرائيل. آخرها كان السادس خلال حرب غزة الحالية. هذا ليس “دعماً” بل “عقد تشغيل”. الفيتو هو صمام الأمان الذي يضمن أن أي قرار دولي لا يخرج عن النص المكتوب في واشنطن.

٢. الامتناع عن التصويت = الرسالة المشفرة

في ٢٥ مارس ٢٠٢٤ امتنعت أمريكا عن التصويت فمر قرار وقف النار في رمضان. النتيجة؟ نتنياهو ألغى زيارة واشنطن واتهمها بأنها “تضر بالمجهود الحربي”. هذا هو “الحياد الكاذب”: اسمح بمرور القرار إعلامياً، ثم أفرغه ميدانياً بالسلاح والمال.

٣. المسلسل التمهيدي: فصول مكتوبة

ما يجري في غزة اليوم، وما يُطبخ للبنان وسوريا غداً، يمر بثلاث حلقات:

– الحلقة ١: خلق الذريعة – تصعيد محسوب، استفزاز، رد فعل.

– الحلقة ٢: شرعنة الرد – بيانات عن “حق الدفاع عن النفس”، وتغطية إعلامية غربة.

– الحلقة ٣: فرض الأمر الواقع – قضم أرض، سيطرة على مقدرات، ثم مفاوضات على ما تبقى.

هذا السيناريو تكرر من ١٩٦٧ إلى ٢٠٢٤. من يملك الأرشيف يملك الدليل.

ثانياً: البعد الاقتصادي.. من يدفع الفاتورة؟

١. التمويل المفتوح

المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل تجاوزت 3.8 مليار دولار سنوياً، وارتفعت بحزم إضافية بعد 7 أكتوبر ٢٠٢٣. الاتحاد الأوروبي شريك تجاري أول لإسرائيل بـ 46.8 مليار يورو عام ٢٠٢٢. الاقتصاد هنا ليس “دعم” بل “استثمار في وظيفة جيوسياسية”.

٢. السيطرة على المقدرات = الهدف

– غزة: غاز بحر غزة 1.4 تريليون قدم مكعب. المعابر. المياه.

– جنوب لبنان: الليطاني، الغاز في البلوك ٩، الأرض الزراعية.

– الجولان السوري: المياه، طاقة الرياح، موقع عسكري كاشف.

السيطرة على هذه المقدرات تكسر أي مشروع خط غاز شرقي-غربي لا يمر عبر الحليف.

٣. الهدف الأبعد: قطع طريق الحرير

الصين تريد “الحزام والطريق”. روسيا تريد موانئ دافئة وخطوط غاز لأوروبا. الشرق الأوسط هو العقدة. فإذا صارت العقدة بيد حليف واشنطن، صار “السهم الضارب” جاهزاً:

– منع ممر الصين البري إلى المتوسط.

– خنق مشروع الطاقة الروسي.

– تحويل المنطقة إلى سوق سلاح وتكنولوجيا غربية حصراً.

ثالثاً: لماذا “شر البلية ما يضحك”؟

١. لأن المخرج يلبس ثوب الحكم: أمريكا تصوت فيتو لتعطيل القرار، ثم تعظ العالم عن “القانون الدولي”.

٢. لأن الممثل يشتكي من المخرج: تل أبيب تغضب علناً من امتناع واشنطن، بينما طائراتها الأمريكية وذخيرتها أمريكية.

٣. لأن الجمهور مطلوب منه التصفيق: يُطلب من العرب تصديق أن “الغرب محايد” بينما كل طلقة وكل دولار يمر من عنده.

الخاتمة: ما بعد الضحك

المسلسل لم ينته. الفصول القادمة مكتوبة في غرف البنتاغون وبروكسل قبل أن تُنفذ في رفح أو بنت جبيل أو القنيطرة. الحياد كذبة، والقرار ليس في تل أبيب بل فوقها.

والسؤال الذي يبقى: إذا كان المخرج واحد، والممول واحد، والسلاح واحد.. فمن الذي يحاسب من؟

هنا تحديداً.. شر البلية ما يضحك. لأننا نبكي على أرض تُقضم، ونضحك على مسرحية اسمها “المجتمع الدولي”.

والعزاء الوحيد: أن كل مسلسل له نهاية. والتاريخ لا يرحم المخرج ولا الممثل.

 

زر الذهاب إلى الأعلى