حوارات

شيخ الحقوقيين الاستاذ هيثم المالح  حين يصبح العمر شاهداً على العصر

شيخ الحقوقيين الاستاذ هيثم المالح  حين يصبح العمر شاهداً على العصر

شيخ الحقوقيين الاستاذ هيثم المالح

حين يصبح العمر شاهداً على العصر .

الدكتور محمد سعيد طوغلي

 

في حضرة التاريخ، تتواضع الكلمات؛ هكذا شعرتُ وأنا أتوجه للقاء المناضل الحقوقي الأستاذ هيثم المالح. وبمرافقة ابن عمه السيد فابيان المالح، اتخذت الرحلة منحىً مختلفاً؛ حيث امتزجت حكايات النضال بروابط الدم والوفاء. كانت تلك الزيارة فرصة نادرة للغوص في فكر رجل لم تكسر عزيمته السجون، ولم يغير بوصلته الزمن، لنتلمس معاً، وبحضور فابيان، ملامح الصمود السوري في أبهى صوره الإنسانية.

لم يكن اللقاء بالأستاذ هيثم المالح مجرد زيارة عابرة لشخصية طبعت تاريخ سوريا السياسي بجرأتها وصلابتها، بل كان استحضاراً لذاكرة وطن لا يشيخ.

الشيخ هيثم المالح ، هو أحد أبرز الشخصيات الحقوقية في تاريخ سوريا الحديث، وقد قدم طوال سنوات طويلة نموذجاً للكفاح والنضال من أجل الحرية والعدالة. مناضل وصوت صادق في الدفاع عن حقوق الإنسان، فقد تحدى نظام الأسد الأب في أحلك الظروف، متحدياً السجن والاضطهاد والملاحقة، وظل صامداً رغم تجاوز سنه التسعين. يعد المالح رمزاً للنضال الوطني السوري ضد الظلم والاستبداد، ومثالاً للمثابرة والتضحية.

 

 

ولد بطلنا الاستاذ هيثم المالح في دمشق عام 1931، وهو ينحدر من أسرة دمشقية عريقة ، درس الحقوق ليصبح من أبرز المحامين في سوريا. كان له دوراً بارزاً في الدفاع عن حقوق الإنسان والنضال ضد الأنظمة الاستبدادية، حيث خاض معارك قانونية وحقوقية شرسة ضد التوجهات القمعية التي اتبعها نظام حافظ الأسد في ذلك الوقت.

منذ بداية حكم الأسد الأب، كان الشيخ هيثم المالح معارضاً شرساً للسياسات الاستبدادية التي فرضها النظام، وخاصة بعد أن بدأ يعصف بالحقوق والحريات.

استخدم المالح منصبه كمحامٍ للدفاع عن المعتقلين السياسيين في محاكمات غير عادلة، وكان يتخذ مواقف جريئة ضد التجاوزات القانونية والانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان. فقد قدم عدداً من القضايا التي كشفت فساد النظام، وأصر على فضح ممارسات القمع.

مما ادى إلى تعرضه للأذى والإهانة مرات عديدة .

لم يكن موقف الشيخ هيثم المالح سهلاً أو خالياً من المخاطر. فقد تعرض للسجن عدة مرات، وكان ينال الكثير من الإهانات والتعذيب على يد النظام. في عام 1980، تم اعتقاله بتهمة العمل ضد الدولة، حيث تم حبسه في سجون الأسد لعدة سنوات دون محاكمة عادلة. تعرض المالح لكافة أنواع التعذيب النفسي والجسدي خلال فترة اعتقاله، لكنه كان دائماً يصر على مواقفه، ورفض التنازل عن مبادئه.

إلى جانب ذلك، تم إبعاده عن ممارسة مهنته في الدفاع عن حقوق الإنسان، ولكن هذا لم يثنِه عن الاستمرار في نضاله، بل على العكس، زادته هذه التجارب قناعة بأن المعركة ضد الظلم يجب أن تستمر مهما كانت التضحيات.

عندما بدأت الانتفاضات الشعبية في سوريا عام 2011 ضد نظام بشار الأسد، عاد المالح إلى الواجهة السياسية والحقوقية كمحرك أساسي للثوار ومناضل حقيقي من أجل التغيير. وقد كان من أوائل الذين طالبوا بضرورة تحقيق العدالة الانتقالية ومحاكمة المسؤولين عن الجرائم التي ارتكبها النظام بحق الشعب السوري. كما كان له دور كبير في تعزيز مفهوم الحقوق المدنية والسياسية في مرحلة ما بعد الأسد.

خلال سنوات الثورة السورية، ظل المالح يطالب بالمحاسبة العادلة لكل من أساء إلى الشعب السوري، ورفع صوته ضد عمليات القتل الجماعي والاعتقال التعسفي، فضلاً عن دعوته المستمرة لوحدة المعارضة والعمل المشترك بين كل فئات الشعب السوري من أجل الوصول إلى مرحلة جديدة تقوم على مبادئ الديمقراطية والعدالة.

من اللافت حقاً انني عندما التقيته شعرت بتلك الهيبة التي يفرضها الأستاذ هيثم المالح بحضوره؛ فهي ليست مجرد وقارٍ عابر، بل هي نتاج عقود من الثبات على المبادئ. فرغم تجاوزه عتبة التسعين من العمر، إلا أنك تجد في شخصيته توازناً نادراً يجمع بين الحكمة العميقة والهدوء الموقر الذي يبعث على الاحترام.

هذا الهدوء لا يعكس ركوناً، بل ينمّ عن نفسٍ صقلتها التجارب القاسية وظلت محتفظة بصفائها واتزانها.

إن رؤية شخصية وطنية بهذا العمر وهي لا تزال تحتفظ بقدْر عالٍ من التركيز والرصانة تعطي درساً في كيف يمكن للإنسان أن يشيخ بكرامة، محتفظاً بوقار الكبار وإصرار الشباب في آن واحد.

واليوم في مرحلة ما بعد تحرير سوريا، يجب أن يكون الشيخ هيثم المالح في طليعة القادة الذين يجب أن يتم أخذ آرائهم بعين الاعتبار. فخبرته الطويلة في مجال الحقوق والقانون والنضال ضد الاستبداد تجعل منه أحد الشخصيات المحورية التي يمكنها أن تلعب دوراً كبيراً في بناء سوريا الجديدة. هو رمز للمقاومة ضد الظلم، وله تأثير عميق في محاربة الفساد وإرساء العدالة.

يجب أن يُمنح المالح المكانة التي يستحقها في مرحلة ما بعد الأسد، كأحد الشخصيات التي يمكن أن تساهم في بناء المؤسسات القانونية والسياسية في سوريا المستقبلية، والعمل على ضمان أن لا يتكرر ما حدث في الماضي من انتهاكات لحقوق الإنسان. إن دوره في المرحلة الانتقالية سيكون أساسياً في ضمان أن يظل التاريخ السوري حياً في ذاكرة الأجيال القادمة، وأن تكون معركة حقوق الإنسان جزءاً من القيم الأساسية في سوريا الجديدة.

علينا أن نعلم أن الشيخ هيثم المالح ليس مجرد محامٍ أو ناشط حقوقي، بل هو رمز حي للتضحية والنضال في مواجهة الظلم. لقد أظهر طوال حياته أن الكفاح من أجل الحقوق والحريات لا يعرف حدوداً ولا يتوقف عند عمر معين، بل يستمر ويستمر مهما كانت التحديات. إن دوره في المستقبل، بعد التحرير، لا يزال حيوياً وأساسياً لبناء سوريا ديمقراطية حرة قائمة على العدالة والمساواة.

هيثم المالح ثروة وطنية وقامة عظيمة يجب أن لاتبقى حبيسة في داره .

 

التعريف بالكاتب

الدكتور محمد سعيد طوغلي

رئيس الاتحاد الدولي للصحفيين والاعلاميين اصدقاء وحلفاء الصين.

رئيس اتحاد الاعلاميين العرب.

رئيس تحرير ومدير عدة مواقع الكترونية دولية .

زر الذهاب إلى الأعلى