مقالات

صفحات تتبدل وحقيقة لا تتغير

صفحات تتبدل وحقيقة لا تتغير

بقلم/نشأت البسيوني 

 

كل يوم يفتح الإنسان عينه على صفحة جديدة من حياته يظن في بدايتها أنه قادر على التحكم بكل تفاصيلها ثم يكتشف مع مرور الساعات أن الحياة ليست دفترا نكتب فيه ما نشاء بل هي أوراق تتبدل بقوانين لا نملك مفاتيحها كلها ورغم هذا تبقى هناك حقيقة ثابتة لا تتغير مهما تبدلت الوجوه وتغيرت الأحداث أن الإنسان لا ينجو إلا بما يحمله داخله لا بما يملكه خارجه في كل صفحة تفتح 

 

هناك اختبار صغير لا يلتفت إليه الكثيرون كلمة تقال موقف يمر شعور يطرق القلب دون موعد وهذه التفاصيل التي نظنها بسيطة هي التي تشكل ملامحنا الحقيقية وهي التي ترسّخ فينا معنى الصلابة والرؤية فالإنسان لا يبنى من اللحظات الكبيرة فقط بل من تلك اللحظات العادية التي يتعامل معها بشعور مختلف وفهم أعمق

ومع اتساع التجارب يدرك الإنسان أن بعض الأشياء التي خاف منها 

 

يوما لم تكن تستحق الخوف، وأن أشخاصا كان يظن أنهم أبطاله لم يحتملوا أول فصل جاد في حكاية حياته كما يعرف أن الأشياء التي تمس القلب بصدق لا تحتاج إلى ضوء ولا تصفيق يكفي أنها تترك أثرا لا يمحى ولو بعد زمن الغريب أن الإنسان كلما كبر لم يعد يبحث عن الانتصارات الصاخبة ولا عن العلاقات الكثيرة ولا عن الطرق المزدحمة يبدأ يبحث عن الهدوء عن المعنى عن كلمة تبقى

 

وعن قلب يشعر بالأمان معه يبدأ يبتعد عن كل ما يربكه ويقترب من كل ما يشبهه لأن السلام الداخلي يصبح أغلى من أي انتصار خارجي ومع ذلك تبقى هناك معركة لا يتحدث عنها أحد معركة الإنسان مع نفسه تلك التي يخوضها كل ليلة حين يضع رأسه على وسادته ويحاول فهم ما حدث وماذا كان يجب أن يقول وأين كان عليه أن يصمت هذه المعركة هي التي تصنع وعيه الحقيقي وهي 

 

التي تجعل منه شخصا مختلفا يوما بعد يوم وفي المطاف يصل الإنسان إلى لحظة يدرك فيها أنه مهما تبدلت صفحات حياته فإن الحقيقة التي لا تتغير هي أنه مسؤول عن روحه قبل أي شي مسؤول عن أن يحافظ على نقائها رغم القسوة وعلى قوتها رغم التعب وعلى إيمانها رغم الصدمات لأن الحياة تقاس بما بقي في الداخل لا بما تغير في الخارج وهكذا يمضي الإنسان في رحلته

 

يبدل الصفحات ويحتفظ بالحقيقة ويرسم طريقه بما تعلمه وما تجاوزه حتى يصل إلى تلك المرحلة التي ينظر فيها إلى نفسه بثقة وطمأنينة ويقول تغيرت الأيام لكنني لم أفقد ذاتي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى