عصر التفاهة. بقلم محمد رمضان أمين
عصر التفاهة
كتب: محمد رمضان أمين
ضع كتبك المعقدة جانبًا، خفف من شغفك لأنه مخيف، لا تقدم لنا فكرة جديدة ولا رواية جديدة ولا كتابًا جديدًا، فآلة تفتيت الورق ممتلئة سلفًا. هذه النظرة الثاقبة في عينيك مقلقة، وسع حدقة عينيك وأرخِ شفتيك… يجب تصنيفك بهذه الكلمات.
ربما لا تستوقفنا كثيرًا المقالات الأدبية، ربما لا يستوقفنا كثيرًا البحث العلمي، ربما لا يستوقفنا كثيرًا مؤتمرات التغيير المناخي إلخ……، فما منا لم يشاهد مقطعًا للبلوجر التركي كوكسال بابا، أو البلوجر المصري “فلفل وزعتر”، وربما حتى البلوجر الفرنسي “باستيل شوكولاتة”، وغيرهم من أسماء تبدو تافهة… لكنها تُشاهد ملايين المرات.
هنا يرسم مفكر كندي صورة لسيطرة التافهين وسيادة التفاهة وتحولها إلى نظام اجتماعي يحكم العالم، عندما تصبح استقطابات الشباب عبارة عن مشادة كلامية، ونقاش حول أجمل قميص أو طلة، وتنفق المليارات على برامج أمسيات يجتمع فيها الخبراء لاختيار أجمل عيون أو خصر منحوت. في زمن لم تعد فيه المعرفة هدفًا، وانغمس الناس في سذاجتهم، يجذبون دون تفكير إلى التفاهة.
فالسؤال هنا يا عزيزي: هل التفاهة جزء من كينونة البشر للهروب من ثقل نمط الحياة الحديثة، أم أن هناك من يهتم لجعل الشعوب العربية غارقة في السطحية وانعدام الثقافة؟ هل يمكن العثور على منبع الرداءة الأول؟ فلا دخان بلا نار.
إذا كنت يا عزيزي مخيرًا بين طريقين؛ الأول صعب وشاق، والثاني سهل وسريع ونتائجه مضمونة، يتهافت الناس نحو الثاني لما فيه من شهرة ومال بلا شعور. ستركب الموجة وتسبح مع التيار في بحر التفاهة.
لم يعد أحد يهتم بالمعرفة، بل لو سألت طفلًا عن حلمه سيجيبك: حسابات، فتاة، سيارة، وحساب في البنك، إلى آخره. وإذا أصبح بإمكاني لأي شخص أن يروج لأمور تافهة بلا قيمة أن يجني الأرباح بزيادة عدد مشاهداته على تيك توك أو يوتيوب، بغض النظر عما يقدمونه، فهذا يتفوق على أي محتوى هادف. هنا لا أهمية للقيمة العلمية طالما أنها غير مربحة.
يقو ل الدكتور مأمون علواني هل تعلم يا عزيزي أن منصات مثل تيك توك تُصرف عليها أكثر من 50 مليون دولار أمريكي، مضاعفة أرباح الشركة المالكة إلى 34 مليار و300 مليون دولار في العام الماضي فقط؟ يمكن أن يصل أرباحك على تيك توك إلى 10 آلاف دولار شهريًا إذا استغلت التصنيف بشكل كامل، حتى لو كنت ترقص فقط أو تقدم محتوى سخيف.
هذه المنصات، كما قال أحد علماء الأدب، تمنح حق الكلام لفيالق من الحمقى الذين كانوا يتكلمون في المقاهي فقط دون أن يسببوا أي ضرر للمجتمع، أما الآن فلهم نفس الحق في الكلام مثل من يحمل جائزة نوبل.
قد يبدو ترميز التافهين محدودًا لوسائل الإعلام المسيطرة، لكنه أوسع انتشارًا وأعمق مما نتخيل؛ لقد وصل إلى المؤسسات التعليمية أيضًا، حيث أصبح المعلم مُلقنًا للطلاب مثل الببغاوات، وفقدت الجامعة دورها لتصبح مكانًا لتفريخ خبراء يمثلون جهات معينة لا مثقفين حقيقيين. المثقف يحمل القيم الأخلاقية أولًا والمسؤوليات العليا أولًا، بينما النظام الجديد يُنتج أشباه المثقفين، أصحاب الشهادات العليا، بلا تفكير نقدي ولا ملكات منطقية.
يسهل السيطرة عليهم؛ يعترضون ولا يعارضون، وهذا هو المطلوب بالضبط. الإنسان الذي يفكر خارج الصندوق يُعتبر عشبًا ضارًا يجب اقتلاعه. هرج ومرج، رقص ولعب في العالم الافتراضي وعلى أرض الواقع، والشباب والمراهقون منغمسون في التفاهات. ترى الناس سكارى وما هم بسكارى, ولكن عذاب الله شديد.
وللعلم، هذه الديمقراطية مستخدمة في كل المجتمعات الغربية، وليس فقط في مكان معين، كما هو الحال في العالم العربي، حيث يُستغل هذا النظام بشكل فعال لصالح ترسيخ التفاهة وسيادة السطحية.
في النهاية، عصر التفاهة ليس مجرد حالة عابرة، بل هو مرآة لما أصبح عليه مجتمعنا اليوم: انغماس في السطحية، طموحات قصيرة، وانشغال بالمظاهر على حساب الجوهر. وبينما يركض البعض خلف الشهرة والمال بسرعة، يظل السؤال قائمًا: هل سنبقى نتبع التيار بلا تفكير، أم سنجد الشجاعة لننظر أعمق، لنميز بين ما يستحق الاهتمام وما هو مجرد ضوضاء؟ هكذا يظل عصر التفاهة تحديًا يوميًا، يتطلب من كل واحد منا أن يختار طريقه بحذر، وألا يغرق تمامًا في بحر السطحية، فربما في التفكير العميق لا يضيع الإنسان أبدًا.





