قادمة من الصعيد (١)
بقلم / نورا سمير سعيد فرج
متابعة / عادل شلبي
كانت خطوتي الأولى عبر بوابة الجامعة ارتباكاً ممزوجاً بالدهشة. اندفعت إلى المدرج أبحث عن مقعد، فوجدت نفسي أجلس بتلقائية بجوار فتاة لا أعرفها… لا أعرف أن القدر كان ينسج لي بها عمراً جديداً.
بدأت المحاضرة، وبدأ قلمي يركض خلف كلمات الأستاذ. وفجأة… جفّ الحبر.
التفتُّ إليها بخجل وقلت: “معاكي قلم ؟ أصلي تِهت في أول يوم”.
مدّت لي قلمها في صمت، كأنها تقول : “أنا هنا”.
في الفسحة خرجتُ لألتقي بـ “شلة بنات مصر الجديدة” كما كنا نُنادى. ومن بعيد لمحتها… جالسة وحدها تحت شجرة، تشرب عصيراً وتتأمل الدنيا كغريبة.
عدتُ في المحاضرة الثانية وجلست إلى جوارها وسألت : “إنتي ليكيش صحاب هنا؟”
هزت رأسها وقالت بصوت هادئ فيه لجلجة الغربة : “أنا كل عمري في الصعيد. لسه جاية القاهرة من كام شهر بعد الثانوية”.
وفي الفسحة التالية جررتها من يدها عنوة إلى عالمنا. عرّفتها على البنات، وضحكنا، وصرخت إحداهن: “دي هتبقى فرد من العيلة”.
وفي نهاية اليوم قلت لها: “أوصلك؟”
فابتسمت ابتسامة فيها ألف حكاية وقالت: “لأ… ستي مستنياني”.
خرجنا فوجدنا سيدة وقورة تجلس في سيارة قديمة، تبتسم لنا. تبادلنا السلام والأرقام… ولم أكن أعلم أن هذا الرقم سيصبح نبض هاتفي.
وبدأت المكالمات. وبدأت هنادي تحكي.
قالت: “أمي كانت بنت عيلة كبيرة في القاهرة. قابلت أبويا في الجامعة، حبته، واتجوزته غصب عن الدنيا كلها وهي لسه في سنة تانية. وسابته وسافرت معاه الصعيد”.
وهناك… صدر الحكم: “مفيش تعليم تاني”.
بكت العيلة في القاهرة، لكن أمي اختارت الحب.
“عاشت وخلفتني أنا، وبعدين أخويا وأختي… وكانت بتشوف أهلها في العيد بالعافية”.
ثم انخفض صوتها حتى كاد يختفي: “من شهرين… رجعت من آخر امتحان ثانوية، لقيت البيت كله صريخ. العربية وقعت في الترعة… وبابا وماما وإخواتي… راحوا كلهم”.
سكتت. وسكت معها قلبي.
وفي اليوم التالي وصلت الجدة. أم أمي.
“ست جميلة، هادية، حضنتني وبكت وقالتلي: بنت الغالية”.
ولم تتركني لحظة.
وبعد الأربعين، فجّرت الجدة قنبلتها: “هتسيبي الصعيد وتعالي تعيشي معايا في القاهرة. هتكملي تعليمك”.
قامت الدنيا في العيلة. الأعمام رفضوا. لكن الجدة كانت صخرة. ولأن هنادي أتمت الثامنة عشرة، وافقوا أخيراً.
“وركبت القطر لأول مرة. كنت شايفة القاهرة في التلفزيون بس”.
وعندما دخلت شقة الزمالك، فتحت لها الجدة غرفة… متوقفة عند الزمن. غرفة أمها. لم يتغير فيها شيء منذ عشرين عاماً.
“أجمل حاجة في الأوضة دي الشباك… بيطل على نادي الجزيرة”.
وقضت يومين كاملين ساكنة أمام النافذة، تحدق في عالم لم تعرفه.
قالت لها الجدة وهي تربت على كتفها: “هنلبس الأسود أربعين يوم بس يا ضنايا… أما أنا فلبساه من يوم ما أمك سابتني ومشيت”.
ثم همست: “اللي كان مصبرني إني بشوفكم في الموبايل… اتعلمته مخصوص عشان أشوف بنتي وأحفادي كل يوم”.
وأخذتها الجدة تشتري لها لبساً جديداً، وأخذتها إلى نادي الجزيرة.
“كنت مرعوبة… عمري ما شفت ناس كتير بالشكل ده”.
وجاءت النتيجة. وجاء التنسيق.
حلم الجدة كان “اقتصاد وعلوم سياسية” مثل الأم. لكن القدر كتب “إعلام”.
فضحكت هنادي وقالت لي أول ما شافتني: “عشان أقابلك يا نورا… وتبقي أول ونس ليا في القاهرة”.
وهكذا بدأنا.
دخلت “البنت الصعيدية” شلتنا، ودلعناها، وأحببناها.
لاحظت شيئاً غريباً: كانت تهرب من عيون الشباب، وتهرب من أي كلمة.
سألتها مرة: “بنات الدنيا كلها بتتكلم عادي… مالك؟”
فاكتفت بابتسامة وجع.
ومع الأيام لم تعد صديقة. صارت أختاً.
حتى رانيا أختي كانت تغير وتقول: “الصعيدية دي خطفتك مننا”.
أحببت فيها طيبتها، وأصلها، وعنادها الصعيدي.
نسيت أقولك: كانت سمراء، جميلة، بعين سوداوين واسعتين كليل الصعيد، وشعر أسود طويل رفضت أن تقصه “عشان دي العادة”.
وكان هناك شيء آخر في عينيها… شيء موجوع، ثقيل، لم أفهمه وقتها.
شيء سيقلب حكايتنا رأساً على عقب.
أما ماذا حدث بعد ذلك… فهو فصل لا يصدقه عقل. فصل يشبه أفلام حسن الإمام حين يبكي الحجر.
وإلى الأسبوع القادم… لنكمل حكاية “.. قادمة من الصعيد”.







