أدب وثقافة

قراءة في رواية المتاهة للكاتبة السورية معاني سليمان

بقلم الناقد إسماعيل آلرجب

قراءة في رواية المتاهة للكاتبة السورية معاني سليمان

 

بقلم الناقد إسماعيل آلرجب

تقديم:

في البداية أود أن أبيّن أن سر نجاح أي رواية ليس بمقارنتها مع روايات أخرى لكتاب مشهورين ، وليس شرطاً أن نوصف كل رواية تبنى على الغموض والتشويق أنها تشبه أسلوب أجاثا كريستي أو أي كاتب عالمي آخر ، فربما نجد لدى كاتب مغمور الموهبة لاستلهام تجارب الآخرين من كتاب عالميين والتناص معهم مثلا، ويتأتى ذلك من الإكثار في القراءة بمقابل التأنّي في الكتابة ، وسنستعرض على شكل نقاط اهم مضامين هذه الرواية بأسلوب مكثّف ومبسّط:-

1.أوجه الشبه بين فكرة وأسلوب هذه الرواية وأعمال كتاب عالميين مشهورين:

تتقاطع الرواية بوضوح مع اتجاهات أدبية عالمية كبرى تجمع بين أدب المدينة الفاضلة المظلمة دستوبيا والواقعية النفسية/الفلسفية من أمثال:

أ. جورج أورويل في رواية “1984“:

أولاً. وجه الشبه هو فكرة السلطة الشمولية التي تمتلك للتكنولوجيا والهندسة البشرية وتحاول استئصال “العاطفة” والذاكرة بدعوى حماية المجتمع من الطمع والحرب (كما يصرح رئيس جزيرة النسيان هنا:” نزعنا منهم ماجعل البشر يقتلون بعضهم ” .

ثانياً . إعطاء رموز وأرقام للأشخاص بدلاً من أسمائهم الصريحة (مثل الرمز م 33 لشخصية منى).

ب. ألدوس هكسلي في “عالم جديد شجاع” :

وجه الشبه هو السعي لخلق إنسان هجين ومُصنّع (قسم الحضانات الصناعية والهندسة الوراثية) نزعت منه الذكريات والعواطف لتحويله إلى آلة مطيعة تعمل بلا ملل.

ت. كازوو إيشيغورو في “لا تدعني أذهب أبداً” :

وجه الشبه: الثيمة الإنسانية الحزينة للنزلاء من خلال التعامل مع المحتجزين كفئران تجارب في مكان معزول عن العالم، والذين يتم استغلالهم جسدياً ونفسياً تحت شعارات الرعاية والتطوير.

ث. فرانز كافكا :

وجه الشبه هوالمناخ المأزوم والشعور بالفقدان والمتاهة البيروقراطية والنفسية، حيث تستيقظ البطلة في بيئة بيضاء معقمة ومجهولة، فاقدة للهوية والذاكرة ومحاطة بالشك والتعتيم. ومن امثلته : المفقود ، المسخ ، وفي مستعمرة العقوبات.

  1. مدى انتماء الرواية للأدب البوليسي وتشبيهها بأعمال أجاثا كريستي من قبل بعض النقاد :

تنتمي هذه الرواية إلى الأدب البوليسي/أدب الجريمة والغموض النفسي ، ولكن بمقدار محدود جداً:

أ. تتمظهر عناصر الحبكة البوليسية في الفصل الثاني بشكل واضح؛ حيث نجد لغز الاختفاء الغامض للمصرفي (وسيم) وخطيبته (فاتن)، وجود ضابط تحقيق (خليل)، صحفية استقصائية تبحث عن الأدلة (سلمى)، جريمة الشروع في القتل (إطلاق النار على عمران)، والبحث عن الخيوط الخفية والدوافع.

ب. . نقاط التشابه مع روايات أجاثا كريستي:

أولاً . تعدد الشبهات والشخصيات المركبة: كما في بلدة “أرض الفردوس”، حيث تدور الشائعات والاتهامات بين أهالي البلدة وتتقاطع المصالح والخيانات.

ثانياً. تقنية “الخدعة المزدوجة” والاحتجاز: الفكرة التشويقية للجزيرة المعزولة القائمة على مجتمع مغلق تتداخل فيه أسرار الجرائم شبيهة بعوالم أجاثا كريستي (مثل روايتها بعنوان ” ثمّ لم يبق احد ” ) .

ت . نقاط الاختلاف:

أولا. أسلوب اجاثا كريستي ينتمي إلى البوليسي التقليدي( البحث عن الفاعل) القائم على الاستنتاج المنطقي المادي لفك الشفرة.

ثانياً. أما روايتنا هذه فهى بوليسية ذات طابع خيال علمي ونفسي، حيث تلعب الشريحة الدماغية، ومحو الذاكرة، والتفكك النفسي (فقدان الذاكرة أو انقسام الشخصية) دور البناء العقائدي في تسيير الغموض.

  1. التقنيات التي تميز رواية المتاهة عن غيرها

تمتلك الرواية البناء الفني والأدوات الأسلوبية التالية:

أ. تقنية البناء ثنائي العوالم :

أولاً. الانتقال المتوازي والمفاجئ بين عالمين متناقضين تماماً: “جزيرة النسيان” (عالم استشرافي مظلم، بيضاء، جراحية، محكومة بتقنيات التحكم بالعقول) و”بلدة أرض الفردوس” (عالم كلاسيكي طبيعي، أنهار، مزارع، هدوء ظاهري بالرغم من اختباء مشاهد متناقضة في خلفية الشخصيات).

ب. تعدد الهويات :

أولاً. الاعتماد على الذاكرة المفقودة أو المقطعة كعنصر دفع درامي (الرمز م33 / منى – سلمى وزينة والندوب الجسدية). تتداخل ذكريات الشخصية مع كوابيسها واسترجاعاتها بطريقة تجعل القارئ يشارك البطلة في الشك بما هو واقع وما هو وهم.

ت. التناظر الاسترجاعي :

أولاً. تقديم الإشارات والألغاز قبل حلها بأسلوب التشبيك الصدمي؛ مثل اكتشاف أن الصورة الموجودة في مكتب الرئيس هي ابنة سهى المفارقة (ورد)، وتقاطع خطوط الانتقام الشخصي مع مخططات المنظمة.

ث. اعتمدت الكاتبة على تقنيات الفلاش باك أوالاسترجاع الزمني بشكل مكثف؛ حيث تنتقل من تجربة “م33” (منى) وآدم في الجزيرة، ثم تقفز زمنياً (بعد 5 سنوات إلى بلدة أرض الفردوس)، ثم تعود إلى ذكريات قديمة تتعلق بضياع الطفلة ورد، أو ذكريات سقوط بلدة الجبل الأخضر بسبب الجاسوس وائل.

 

ثانياً. شواهد الاستهلال والتصدير النصي :

استخدام المقولات الفلسفية والأدبية في افتتاحية الفصول (مثل اقوال : جيم رون، آن سكستون، وسكينة حبيب الله) لتهيئة القارئ نفسياً للثيمة الرمزية للفصل.

  1. التناص مع الأعمال الروائية والسينمائية

تتقاطع الرواية وتتناص بشكل قوي مع مجموعة من الأعمال الروائية والسينمائية البارزة:

أ. على مستوى الأعمال الروائية:

أولاً. “1984” لـ جورج أورويل: التناص في فكرة المسخ الإنساني وإلغاء المشاعر والتحكم المباشر عبر المنظمة/الرئيس.

ثانياً. “أرض جيدة” أو الأدب الذي يتناول خيانات الحروب: مثل التناص في قصة سقوط بلدة “الجبل الأخضر” وكشف السرداب السري للعدو بسبب غفلة أو براءة طفولية.

ب. على مستوى سيناريوهات الأفلام السينمائية:

فيلم “Shutter Island”جزيرة شتر).

وجه الشبه هو الجزيرة المعزولة، التجارب النفسية والطبية على أدمغة البشر، وعدم قدرة البطل/البطلة على التمييز بين الحقيقة والهلوسة والكوابيس الواقعية.

فيلم “The Island” (2005) اسلاند 2005.

وجه الشبه : مجتمع زائف ومعزول يُوهم النزلاء بوجود حقيقة معينة بينما يتم استغلالهم أو التحكم بأدمغتهم وأجسادهم، وتخطيط اثنين منهما للهروب عبر المرفأ وسفن البضائع.

فيلم المصفوفة” The Matrix “أو مدينة الظلام ” Dark City .

وجه الشبه هو زراعة الشرائح الدماغية ومحو الذكريات وتعديل هويات البشر وإعادة برمجة حياتهم اليومية.

فيلم اشراقة ابدية للعقل النقي “Eternal Sunshine of the Spotless Mind”:

وجه الشبه هو ثيمة المسح الآلي للذاكرة العاطفية ومحاولة استرجاع الذكريات الطافية عبر العقل الباطن والأحلام

  1. وأخيراً وليس آخراً إنّ نقد الناقد يلامس خصائص شكلية وبنائية موجودة بالفعل في النص (التنقل الزمني، كثافة الشخصيات، الاختلاف عن النمط الكلاسيكي للغز)، إلا أن اعتبار هذه الخصائص “عيوباً” هو رأي انطباعي؛ فالرواية تُبنى على غموض تشابكي وإثارة نفسية تعتمد على كشف الحقائق تدريجياً عبر أزمنة وشخصيات متداخلة تناسب ثيمة “المتاهة “.

الرأي النقدي:

المذاهب النقديّة قي قراءة رواية ( المتاهة):

ذهب بعض النقاد الى تشبيه اسلوب الكاتبة معاني سليمان باسلوب الكاتبة اجاثا كريستي:

أ. ان أصل القياس هو على صنف أدبي مختلف؛ فرواية ( المتاهة ) تشبه أكثر أعمال الفانتازيا والتعديل الجيني والنفسي (مثل 1984 وعالم جديد شجاع ” Brave New World) مع حبكة إثارة اجتماعية ونفسية.

ب. أسلوب أجاثا كريستي يركز بشكل أساسي على “أدب الجريمة التقليدي” ، حيث توجد جريمة محددة (غالباً قتل) في مكان مغلق، وجثة، ومحقق يبحث عن القاتل من بين قائمة محددة من المشتبه بهم عبر استجوابات منطقية.

ت. إنّ رواية “المتاهة” تنتمي أكثر إلى أدب الإثارة النفسية والدستوبيا العلمية ؛ فالرواية تتناول قضايا أعمق مثل زرع الرقاقات في الأدمة، ومحو الذاكرة العاطفية، والسيطرة النفسية، والمؤسسات المشبوهة (مثل جزيرة النسيان).

  1. وذهب البعض الآخر الى القول بوجود تخمة في عدد الشخصيات والخطوط الدرامية المتوازية وهي فعلا كذلك:

أ. في الجزيرة: سهى، آدم، منى (م33)، الرئيس، هشام.

ب. في بلدة أرض الفردوس: الطبيب عمران، ابنته مايا، الممرضة جميلة، الصحفية سلمى، الضابط خليل، ليلى، الجارة سميرة، المصرفي وسيم، فاتن، عامر، حسانوغيرهم.

ت. قد يرى البعض أن كثافة الشخصيات تُحد من عمق البناء النفسي لبعض الشخصيات الثانوية، إلا أن الشخصيات الثانوية تخلق نسيجاً متكاملاً لمجتمع كامل يعاني من التخفي والأسرار والماضي المشوه.

المذهب الثالث:يرى وجود قفزات في الزمن وهذا الوصف :

أولاً. صحيح من الناحية البنائية، ولكنه يُحسب للعمل كتقنية سردية وليس كعيب طالما يخدم الدراما.

ثانياً. إنّ القفزات الزمنية تقنية سردية مركبة قد تربك القارئ البسيط، ولكنها تزيد الرواية تشويقاً وتتوافق مع مضمونها القائم على استعادة الشظايا المفقودة من الذاكرة.

ثالثاً. إنّ هذه “القفزات” ليست عشوائية، بل هي أداة سردية مقصودة لخدمة فكرة الذاكرة والوهم”، حيث يعيش الأبطال حالة من الشتات والتذكر التدريجي للماضي الضائع.

 

زر الذهاب إلى الأعلى