مقالات

قِبلة الأحرار محمد خير إدريس

قِبلة الأحرار محمد خير إدريس

قِبلة الأحرار

محمد خير إدريس

 

فلسطين، تلك الزهرة التي أعرض عنها عشّاقُ الأقحوان الفوّاح،

تلك اللوحةُ الفنيّة التي بدأت ترسم أنينَها برمادِ عظامِ أبنائها،

تُزركش حدودَها الإقليمية بأشلاء ودماءِ شهدائها الأحرار.

 

لا أظنُّ أن حشودَ النزوح، وهولَ الحربِ الدامية التي مزّقت القلوب وأحرقت الأكباد، قد شهدتها الأمةُ العربية بهذا الحجم والفجيعة.

 

ومن واجبنا، كشعبٍ لا تفرّقه اختلافاتُ الأعراق، ولا تُحرّكه النّزعاتُ الطائفية،

شعبٍ حريصٍ على تلاقي الأذواق وتآلف الأمم، أن نلتمسَ للأمة العربية سبعين عذرًا، لا عذرًا واحدًا.

فالأمة تعاني من قصورٍ في البصيرة، لا تبصر ما يدور حولها من كوارث ومآسٍ.

 

كثيرون يكتبون عن غزة الجريحة، ويحاولون أن يجعلوا من حروفهم سلاحًا في وجه أمةٍ عربيةٍ لم تُحسن مواساةَ آلامهم،

ولا تفقدت جراحهم النازفة، ولا مدت يدها لتضميدها.

 

لكن الطامة الكبرى ليست في الأمة، ولا في العُصبة، ولا في الحزب الذي يُناشَد،

بل في أولئك الذين يؤمنون أن الأمة العربية عاجزةٌ تمامًا عن الوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني، وأنها فقدت القدرة على المؤازرة والمؤاخاة.

 

حين يُباد يوميًا أكثر من ثلاثة آلاف طفل وطفلة،

ويُهزم العجزة، وتُنتزع الكرامة من نفوس شعبٍ أبيّ،

حين تضمر الأجساد النحيلة، وتُهدم البيوت على رؤوس أصحابها،

تتجلى الحقيقة بوضوح أمام العالم بأسره، لا أمام العرب وحدهم.

 

وإذا أردنا القياس بين الكائنات التي خلقها الله تعالى وجعلها خليفة في الأرض،

وجب أن نُدرك أن الإنسان هو الكائن الوحيد القادر على التفكير، والتصحيح، وترتيب المسار حين ينحرف.

ففي داخل كلٍّ منا رسالةٌ لا بدَّ أن تُؤدى كما ينبغي.

 

ورسالة أبناء غزة ، بلا شك ، قد وصلتكم.

وصلكم الجوع الذي أنهكهم وأنتم على موائدكم ملوك،

وصلكم القهر والاستبداد تحت وهج الشمس كل صباح،

وصلتكم صرخاتُ الأيامى، ووصلكم حزن الأمهات اللّواتي يفقدن أبناءهن الواحد تلو الآخر.

 

فإن لم تجدوا جوابًا لهذه الرسائل،

فلتُعلّق القضيّة في محكمة العدل الإلهية.

 

يا أمة العرب، لا خوفٌ عليكم اليوم ولا حزن.

 

فلا عذر لجاهل، ولا عتب على من عمي قلبه عن رؤية الحق.

 

كُتب الكثير عن غزة، لكنّ ثقافة القراءة قد اغتيلت على يد من لا يحمل مثقال ذرّة من شرف.

والسلام على القلوب التي لا تهدأ في وجه العواصف الهوجاء.

بقلم محمد خير إدريس

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى