كبش الفداء والقردة الطائرة: حين يتحول التلاعب إلى اغتيالٍ للسلام النفسي
كبش الفداء والقردة الطائرة:
حين يتحول التلاعب إلى اغتيالٍ للسلام النفسي
بقلم: أ. هبة شاهين – الإسكندرية
ليس كل من يكثر الناس من اتهامه مخطئاً، وليس كل من يدافع عن نفسه مذنباً؛ فهناك معارك لا تُخاض بالحقيقة، بل تُدار بالتأثير، وتشويه الصورة، وصناعة رأي عام ضد شخص بعينه حتى يصبح المتهم الدائم، ولو كان الأكثر براءة. في علم النفس، تُعرف هذه الظاهرة بأحد أخطر أنماط العلاقات السامة، حيث يُصنع “كبش الفداء”، ويُستعان بما يُعرف بـ “القردة الطائرة” لإكمال المشهد.
كبش الفداء ليس شخصاً ضعيفاً بالضرورة، بل قد يكون الأكثر صدقاً، أو استقلالاً، أو رفضاً للخطأ. لكنه يصبح الهدف الأسهل عندما تعجز مجموعة أو أسرة أو مؤسسة عن مواجهة أخطائها؛ فتبحث عن شخص تُلقي عليه كل أسباب الفشل والتوتر، لتُريح ضمائرها وتُخفي الحقيقة.
وهنا يبدأ الدور الأخطر…
تظهر “القردة الطائرة”؛ وهم أشخاص ينقلون الكلام، ويصدقون الإشاعات، ويشاركون في التشويه، ويدافعون عن الرواية الواحدة دون أن يبحثوا عن الحقيقة. بعضهم يفعل ذلك عن قناعة، وبعضهم بدافع الخوف أو المجاملة أو الرغبة في كسب رضا الطرف الأقوى، فيتحول دون أن يشعر إلى أداة تُستخدم لإيذاء الآخرين.
ومع مرور الوقت، يجد الضحية نفسه محاصراً من كل اتجاه؛ فكلماته تُفسَّر ضده، وصمته يُدان، ونجاحه يُزعج، وأخطاؤه تُضخَّم، بينما تُغفر الأخطاء نفسها لغيره. والأخطر من كل ذلك، أن كثرة الاتهامات قد تدفع الإنسان إلى الشك في نفسه، فيفقد ثقته بحدسه، ويبدأ في الاعتذار عن أشياء لم يرتكبها، ويحمل أوزاراً ليست له. هذه ليست قوة في الآخرين، بل نتيجة تلاعب نفسي متكرر يستنزف المشاعر، ويُضعف الثقة بالنفس، ويُكدّر صفو الحياة.
الوعي يغيّر المعادلة
عندما تدرك أن بعض المعارك ليست لإظهار الحقيقة بل لاستنزافك، ستتوقف عن تبرير نفسك لكل من يسيء فهمك. وعندما تعلم أن رضا الجميع مستحيل، ستختار سلامك النفسي على الدخول في دوائر لا تنتهي من الدفاع عن الذات.
ضع حدوداً واضحة، ولا تمنح كل شخص حق الوصول إلى تفاصيل حياتك. لا تنسق وراء الشائعات، ولا تجعل رأي الأكثرية دليلاً على صحة الاتهام؛ فكم من إنسان ظُلم لأن الجميع صدقوا رواية واحدة، وكم من حقيقة ظهرت بعد أن فات أوانها. وقبل أن تنقل خبراً أو تصدر حكماً على أحد، ابحث عن الحقيقة.. ولا تشارك في صناعة ضحية جديدة.
فالإنسان الواعي لا يكون كبش فداء، ولا يسمح لنفسه أن يكون أحد “القردة الطائرة”؛ إنه يزن الأمور بعقله، ويحكم بضميره، ويؤمن أن العدل يبدأ من كلمة، كما يبدأ الظلم من كلمة.
رسالة توعية
حافظ على سلامك النفسي، لكن حافظ أيضاً على ضميرك؛ فقد تكون كلمة تنقلها سبباً في كسر إنسان، وقد يكون صمتك عن الظلم أعظم من المشاركة فيه. أما الوعي، فهو أن ترى الحقيقة قبل أن تنجرف مع الضجيج، وأن تدرك أن الكرامة النفسية لا تقل قيمة عن أي حق آخر في الحياة.
هل أنت مستعد؟
رحلة نجاحك قرارك أنت






