الدين و الحياةمقالات

ليلة القدر. فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ. إسراء محمد

ليلة القدر. فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ.

بقلم : إسراء محمد

الليلة التي يعيد الله فيها كتابة الحكايات

في زوايا الحياة التي لا يراها إلا القلب, هناك لحظات يختبئ فيها الإنسان بين همومه وأفراحه, بين أخطائه وآماله, بين ضوضاء الأيام وصمت الروح. أيام كثيرة يمضي فيها دون أن يشعر بوزن الوقت, وكأن كل شيء حوله مسرع باستمرار, بينما قلبه يكتفي بالمراقبة الصامتة, يتلمس الفرح والخوف, يتأمل الماضي ويجهل المستقبل. ومن بين هذه اللحظات القليلة التي تلمس القلب تأتي “ليلة القدر”. الليلة الفريدة التي تُعيد ترتيب حكايات الإنسان كلها…

الليل قد بدأ بهدوئه المعتاد, وتوقفت الشوارع عن صخبها وكأن المدينة كلها تنام إلا من بعض الأرواح التي تختار السهر لتهدئة ضوضاء الداخل. في هذه اللحظات يجد الإنسان نفسه وحيدًا أمام ما يُسمى بالزمن, وقلبه مشدود إلى سؤال صامت: هل كانت أيامي كلها كما تمنيت؟, وهل أنا ما زلت أملك القدرة على أن أبدأ من جديد؟…

ليلة القدر هنا تأتي لتكشف ما خفي, فتقف الروح أمام نفسها تتفحص قراراتها, تزن أفعالها وتستشعر أثر كل لحظة مضت, إنها ليلة المراجعة الصامتة للحياة التي لا يشهدها إلا القلب والتي قد تغيّر مسار حياة كاملة إذا استثمر الإنسان ساعاته فيها بصدق ووعي, ليست عن مضاعفة الحسنات وحدها بينما عن اللحظة التي يقف فيها مع نفسه ويدرك أنه قادر على رسم ضوء جديد لمساره. كثير من البشر يظنون أن تغيير حياتهم يحتاج سنوات طويلة, لكن هنالك هذه الليلة…

تخيل إنسانًا دخل هذه الليلة مثقلاً بالندم, أفعال ارتكبها وكلمات نطق بها ولم يكن يقصدها, فرص ضاعت وحبّات خير لم يستثمرها, كل هذه الأشياء تتجمع في قلبه, تحاول أن تثقل عليه خطواته وتجعله يشعر بالعجز, لكنه في لحظة واحدة حين يرفع قلبه إلى السماء, سيشعر بشيء يذوب كسحابة ثقيلة تنفك عن صدره, الدعاء في هذه اللحظات لا يحتاج إلى كلمات رائعة, بل يحتاج إلى صدق عميق بأن الله سميع عليم. ولقد علمنا رسول الله صل الله عليه وسلم أن الدعاء البسيط الصادق يحمل في هذه اللحظات قوة لا يضاهيها شيء, وأن الله يسمع حتى الهمس الذي لا يجرؤ الإنسان على قولها, إنها لحظات لا تعرفها الساعة ولا تحددها الثواني, بل يحددها عمق الروح والإخلاص في الحديث مع خالقها. ولعل أعظم ما في “ليلة القدر” هو أنها تمنح فرصة لإعادة اكتشاف النفس, أن بقلوبنا كما نقف أمام المرآة, نرى ما بداخلنا وكل ما نكتمه, كل ما نخفيه عن الآخرين, ونبدأ في ترتيبها بشكل جديد…

وقد جرب السلف الصالح هذه اللحظة, فهم لم يتركوها تمر مرور الكرام بل اغتنموها بالصلاة والذكر والدعاء ليس فقط لأنهم يوقنون أن الأجر فيها عظيم, بل لأنهم عرفوا أنها لحظة لاختبار صدق الإنسان مع نفسه ومع خالقه. ولعل أعظم الدروس التي تتركها “ليلة القدر” في قلب الإنسان هي أن الزمن ليس ما يصنع الفرق, بل ما تفعله في نفسك, اللحظة التي تعيشها, فقد يتغير شخص بالكامل خلال ساعات قليلة إذا سمح قلبه بالانفتاح على رحمة الله, وإذا جعل لحظته مع الله صادقة.

ومن هنا تصبح “ليلة القدر” أكثر من مجرد ليلة عبادة, إنها تجربة روحية كاملة, لحظة تعلم الإنسان فيها أن حياته ليست سلسلة من الأحداث التي تحدث له, بل هي مجموعة من القرارات التي يتخذها قلبه, وأن كل لحظة من هذا الليل قد تحمل قرارًا يغير المستقبل كله. كم من دعاء خرج من قلب صادق في هذه الليلة وكان سببًا في تحول كبير؟, وكم من قلب كان يحمل حزنًا عميقًا وخرج من الليل ممتلئًا بالأمل؟. هذه الأمثلة كثيرة, لكنها كلها تُشير إلى حقيقة واحدة, أن ليلة واحدة صادقة مع الله يمكن أن تصنع مستقبلاً لم يكن في الحسبان…

وهنا يظهر الفرق الحقيقي بين من يعرف فضل هذه الليلة ومن يتركها تمر, فمن يعرف قيمتها يقيمها بقلبه وروحه, يستثمر لحظاتها في التفكير في التوبة, وفي الدعاء ومراجعة نفسه, ليخرج منها إنسانًا مختلفًا أكثر حكمة, أكثر إدراكًا وأكثر سلامًا داخليًا. والحكمة الكبرى التي يجب أن يحملها كل من يقرأ هذا المقال, هي أن “ليلة القدر” ليست مجرد فرصة للثواب, بل فرصة لتغيير القلوب, ولتجديد الحياة, لإعادة اكتشاف المعنى الحقيقي للوجود, إنها دعوة للنظر إلى الداخل, للابتعاد عن الضوضاء, ولإعادة ترتيب الأولويات ولتقدير اللحظة الحاضرة بما هي تستحق…

فالسعيد حقًا هو من يعرف أن هذه الليلة يمكن أن تكون بداية قصة جديدة, قصة لا تعتمد على طول الأيام, بل على عمقها, على صدق المشاعر فيها وعلى القرار بأن يكون الإنسان أفضل, أقرب إلى الله وأكثر سلامًا مع نفسه ومع من حوله. قد يدرك أيضًا أن اللحظات الماضية مهما كانت مؤلمة, هي ليست إلا دروسًا تمنحه قوة أكبر, وأن الفرص الضائعة ليست نهاية الطريق, بل فرصة لإعادة المحاولة بشكل أكثر حكمة ووعي, وهنا يكمن سر الحكمة الكبرى, أن الإنسان يمكن أن يحوّل الألم إلى درس, والفشل إلى بداية جديدة, واليأس إلى أمل صادق…

وفي النهاية “ليلة القدر” قد تمر بهدوء بين ليالي رمضان, لكنها قد تكون بالنسبة لقلب واحد اللحظة التي بدأت فيها أجمل الحكايات, حكاية قلب عرف طريقه إلى الله، حكاية روح قررت أن تكون أفضل, وحكاية إنسان فهم أن الحياة الحقيقية هي لحظة صدقه مع الله, وفي هذا السلام الداخلي, يجد الإنسان طمأنينة لم يعرفها من قبل, إدراكًا عميقًا بأن كل لحظة من صدق القلب مع الله تحمل في طياتها فرصة لتجديد الحياة ولإعادة ترتيب كل شيء…ليلة القدر. فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ. إسراء محمد

 

زر الذهاب إلى الأعلى