ملاعب أكثر.. وعنف أقل؟
بقلم: أ / هبة شاهين — الإسكندرية
”لا يكفي أن نُخرج أبناءنا من أمام الشاشة إذا لم نعلّمهم كيف يواجهون الحياة.
عندما نطالب بزيادة الملاعب ومراكز الشباب والأندية، واستغلال المساحات الآمنة وغير المستغلة -ومنها بعض المناطق أسفل الكباري بعد تجهيزها وفق اشتراطات الأمان- فنحن لا نبحث فقط عن مكان يمارس فيه الطفل كرة القدم أو الجري؛ نحن في الحقيقة نبحث عن مساحة بديلة للحياة.. مساحة يتعلم فيها الطفل: الالتزام، العمل الجماعي، تقبل الخسارة، احترام المنافس، والانضباط.
وهنا تصبح الرياضة جزءاً من التنمية، لا نشاطاً ترفيهياً زائداً. فالشاب الذي يجد مكاناً آمناً يمارس فيه الرياضة أو الفن أو النشاط الاجتماعي، ويجد مدرباً يتابعه وأسرة تشاركه، تكون أمامه فرص أكثر لاكتساب مهارات تساعده على إدارة غضبه والتعامل مع الآخرين.
لكن تبقى الحلقة المفقودة:
لماذا أصبح بعض الشباب عاجزاً عن حل خلاف بسيط بالحوار، فيتحول الخلاف إلى سباب أو تشابك أو اعتداء، وقد يتطور في بعض الحالات إلى جريمة؟
السبب ليس في الهاتف وحده، ولا في الألعاب الإلكترونية وحدها.
تؤكد الدراسات أن عنف الشباب ظاهرة متعددة الأسباب، ترتبط بعوامل فردية وأسرية واجتماعية ومجتمعية؛ ومن بينها ضعف الرقابة الأبوية، وضعف الارتباط بالأسرة، والتعرض للعنف، وبعض الممارسات التربوية القاسية، ومخالطة أقران منحرفين. كما تضع ضمن أساليب الوقاية: برامج مهارات الحياة التي تُعلّم الأطفال التحكم في الغضب، وتسوية النزاعات، وحل المشكلات بطرق غير عنيفة.
أما التكنولوجيا، فالمطلوب ليس شيطنتها؛ فهي أداة يمكن أن تُعلّم وتفتح آفاقاً واسعة، لكن الاستخدام المفرط أو الإشكالي قد يضر بالتوازن اليومي والصحة النفسية والاجتماعية. وتشير الدراسات إلى أن الأدلة حول تأثير التكنولوجيا ليست في اتجاه واحد، وأن المطلوب هو الاستخدام الصحي والواعي، لا الحرب على التكنولوجيا.
إذن.. الحل ليس ملعباً فقط، ولا هاتفاً يُسحب من يد الطفل!
نحتاج إلى منظومة متكاملة:
ملعب متاح + نشاط منتظم + مدرب مؤهل + أسرة حاضرة + مدرسة تعلّم مهارات الحياة + إعلام يعزز ثقافة الحوار + ¤ طفل يتعلم أن الغضب شعور، لكن الاعتداء قرار.
¤ والرياضة هنا يمكن أن تكون مدرسة مصغرة للحياة:
¤ أن تخسر دون أن تهين منافسك.
¤ وأن تختلف دون أن تعتدي.
¤ وأن تتعاون مع من لا يشبهك.
¤ وأن تعرف أن الفوز الحقيقي ليس بإسقاط الآخر، وإنما بأن تسيطر على نفسك قبل أن تحاول السيطرة على المباراة.
رسالة نوعية
التنمية ليست فقط أن نبني كوبرياً ثم نستغل المساحة أسفله. التنمية الحقيقية أن نسأل:
ماذا يمكن أن نبني في الإنسان تحت هذا الكوبري؟
ملعباً يكتشف موهبة؟
مركزاً رياضياً يصنع الانضباط؟
مساحة آمنة تمنح طفلاً بديلاً عن الشارع والشاشة؟
أم برنامجاً يعلمه كيف يحل خلافه دون أن يتحول إلى خصومة أو جريمة؟
هنا يصبح استغلال المساحات غير المستغلة استثماراً في الإنسان قبل المكان.
رسالة وعي
لا يكفي أن نقول لأبنائنا: “لا تتشاجروا”؛ علينا أن نعلمهم ماذا يفعلون عندما يغضبون، وكيف يختلفون، ومتى ينسحبون، وكيف يطلبون المساعدة، وكيف يحلون المشكلة دون عنف. فالطفل الذي يتعلم حل المشكلة اليوم، قد يكون شاباً يمنع مشكلة أكبر غداً.
أنا شريك في التنمية.. عندما أطالب بمكان آمن لأبنائي، وأشارك في بنائهم، وأعلمهم أن القوة الحقيقية ليست في اليد التي تضرب، وإنما في العقل الذي يعرف كيف يحل المشكلة.







