أخبار محليةمحافظات

من ورشة تنجيد في العجمي إلى قمة العلم العالمي:

حكاية الدكتور محمد عطية.. إسكندراني أضاء عتمة التحديات.

من ورشة تنجيد في العجمي إلى قمة العلم العالمي:

حكاية الدكتور محمد عطية.. إسكندراني أضاء عتمة التحديات.

 

الإسكندرية. بقلم : ولاء إبراهيم

حين يعجز مجموع الثانوية العامة عن إدخال شاب إلى كليته المفضلة، قد يظن البعض أن الستار قد أغلق على حلمه. لكن قصة الدكتور محمد عطية تثبت أن الأقدار أحياناً ترسم لنا طرقاً أوعر، لكنها تقودنا إلى قمم ما كانت لتبلغ لولا قسوة البدايات.

فهو لم يكن مجرد طالب، بل كان صبيّاً يعمل في ورشة تنجيد بمنطقة العطارين بالإسكندرية خلال الإجازات الصيفية، ليساعد أسرته ويوفر مصاريف دراسته. تدرج في العمل اليدوي وصيانة السيارات، ووجد نفسه يدرس ساعات طويلة تصل أحيانًا إلى 16 ساعة يومياً، فاقداً لوالده في سنة تانية جامعة. من رحم هذه المعاناة، وفي مدينة العجمي التي نشأ وتربى فيها، انطلقت قصة كفاح يستحق أن تُدرس.

[البداية من الزراعة.. والشغف الذي لا ينام ]

تخرج محمد في كلية الزراعة بجامعة الإسكندرية سنة 2009. وبدأ حياته العملية مهندس صيانة بمرتب زهيد قدره 550 جنيهاً، لكنه بما يمتلكه من عزم وطموح، قفز خلال ستة أشهر فقط ليصبح مديراً للصيانة.

لم تتوقف طموحاته عند حدود الوظيفة المحلية، فحصل على منحة دراسية في جامعة الملك سعود بالمملكة العربية السعودية، وهناك اكتشف شغفه الحقيقي الذي سيرتبط باسمه لاحقاً: “معالجة المياه”.

لكن الطريق لم يكن مفروشاً بالورود؛ فقد واجه بيئة بحثية صعبة وصلت إلى قرار إنهاء قيده من الجامعة، وهو ما كان يمثل رصاصة الرحمة على مستقبله الأكاديمي. وبفضل من الله، ثم بدعم من أستاذ سعودي فاضل هو الدكتور أحمد العمود، عاد محمد ليقف على قدميه مجدداً، باحثاً عن فرصة جديدة لا تعرف الاستسلام.

[من طوكيو إلى كوبنهاجن ].. رحلة العبور إلى العالمية

طرق محمد أبواب العالم حتى فتحت له المعاهد اليابانية ذراعيها. التحق بمعهد طوكيو للتكنولوجيا في اليابان، وحصل منه على الماجستير والدكتوراه، متوجاً جهوده بجائزة أفضل رسالة دكتوراه لسنة 2017، لتظهر قصته إعلامياً على التلفزيون الياباني تقديرًا لتفوقه.

من اليابان إلى الدنمارك، حيث خاض تدريباً بحثياً مرموقاً في جامعة كوبنهاجن، ومنها إلى الولايات المتحدة الأمريكية كباحث ما بعد الدكتوراه في جامعة كليمسون (ساوث كارولاينا)، ثم جامعة نورث وسترن العريقة.

لاحقاً، وضعت الحكومة الفيدرالية الأمريكية ثقتها فيه، فانضم إلى وكالة حماية البيئة الأمريكية (EPA)، مشاركاً في أبحاث استراتيجية وبرامج مرتبطة بوزارة الدفاع الأمريكية. واليوم، يعمل في شركة AECOM العالمية للاستشارات الهندسية، إلى جانب إسهاماته الأكاديمية والبحثية في جامعة رايس.

محارب «المواد الكيميائية الأبدية»

يتخصص الدكتور محمد عطية في واحد من أخطر الملفات البيئية المعاصرة: معالجة المياه من الملوثات الخطيرة، وفي مقدمتها مواد PFAS، والمعروفة بـ «المواد الكيميائية الأبدية»؛ نظراً لبقائها في البيئة لفترات طويلة واستعصائها على التخلص التقليدي.

وفي رصيده العلمي أكثر من 100 بحث منشور، نُشر العديد منها في أعرق المجلات العلمية العالمية على رأسها مجلة Science. وفي عام 2022، توجت مسيرته بحصوله على جائزة 40 Under 40 من الأكاديمية الأمريكية للمهندسين والعلماء البيئيين.

ولأنه مؤمن بأن العلم رسالة، لم يقتصر عطاؤه على الأبحاث الأكاديمية؛ فهو نشط للغاية على منصة “لينكد إن”، ويقدم إرشادات مهنية قيمة من خلال نشرته الشهيرة Next Job على منصة “ستابستاك”.

(رسالة إلى صانع القرار) : عقولنا حان وقت استثمارها

قصة محمد عطية تذكرنا بمبدأ إنساني راسخ: النجاح ليس خطاً مستقيماً، والتعثر الأول ليس نهاية المطاف. لكن بعيداً عن الفخر الشخصي بكل كفاءة مصرية ترفع اسم الوطن عالياً في الخارج، يبقى السؤال الأهم مطروحاً على طاولة المسؤولين:

إحنا في مصر عندنا تحديات جسيمة في ملفات المياه والتلوث.. فلماذا لا نفتح أبواباً حقيقية ومؤسسية للاستفادة من خبرات علمائنا الكبار العائدين من كبرى المراكز الدولية؟

إن المطلوب ألا نكتفي بتوجيه التحية واحتفاء المجموعات الرقمية بعلمائنا بعد نجاحهم خارج الحدود، بل الأهم هو خلق بيئة حاضنة وفرص حقيقية تستثمر خبراتهم وتجاربهم في حل مشكلات وطننا الأم.

إلى الدكتور محمد عطية.، فخورون بك وبكل مصري يجتهد ليترك بصمة تليق بهذا الشعب العظيم.

ش

زر الذهاب إلى الأعلى