أدب وثقافةالدين و الحياةصدى مصرمقالات

وانتصف الشهر…بقلم: إسراء محمد

وانتصف الشهر…

بقلم: إسراء محمد

 

ها هو شهر رمضان قد انتصف وكأنّه مرّ كنسمةٍ عابرة, طرق أبواب القلوب برفق وأوقد في الأرواح مصابيح الرجاء, ثم مضى نصفه في صمت. لا نشعر معه كيف تسللت الأيام من بين أيدينا بالأمس, فقط, كنّا نستقبله بشوقٍ ولهفة, نرفع أكفّ الدعاء أن يبلغنا الله تمامه, ونعقد العزم أن يكون مختلفًا عن كل ما سبقه.

اليوم نقف في منتصفه, لا لنودع ما مضى, بل لنحاسب أنفسنا عمّا كان شهر رمضان, وأنه ليس مجرد شهرٍ في تقويم هجري, بل موسم إلهي تتنزل فيه الرحمات وتغفر فيه الزلات, وتفتح فيه أبواب السماء لمن أراد أن يطرقها بصدق. هو فرصة تتكرر مرة في العام, لكنها قد لا تتكرر في العمر إلا مرات معدودة, لذلك كان انتصافه لحظة تستحق الوقوف لا مرورًا عابرًا كما تمر سائر الأيام…

في الأيام الأولى تتوهج العزائم وتعلو الهمم ويزدحم القلب بالنيات الطيبة, نكثر من القراءة, ونطيل السجود, ونعد أنفسنا بأن نخرج من هذا الشهر بقلوبٍ جديدة أكثر نقاءً وأشد قربًا من الله, غير أنّ النفس بطبعها تميل إلى الفتور بعد الحماس. ويعود التعب ليتسلّل وتضيق الساعات, ويتراجع ذلك الوهج الأول شيئًا فشيئًا, وهنا تحديدًا في منتصف الطريق, تتجلّى الحكمة من التوقّف والمراجعة.

انتصاف الشهر ليس إعلانًا بانقضاء الفرصة, بل هو نداء خفيّ يقول ما زال في الوقت متّسع, ما زالت أبواب الرحمة مفتوحة, وما زال في القلب متّسع لنيةٍ صادقة تعيد ترتيب المسار, من قصّر فليستدرك, ومن أحسن فليزد, ومن تعثّر فليقم من جديد, فالله لا ينظر إلى البدايات المشتعلة بقدر ما ينظر إلى القلوب حين تصر على العودة بعد الفتور.

لنسأل أنفسنا بصدقٍ لا يعرف المجاملة, ماذا غير فينا رمضان حتى الآن؟, هل رقّت قلوبنا؟ هل خف غضبنا؟, هل اقتربنا من القرآن اقتراب فهم وتدبّر أم اكتفينا بمرور سريع على حروفه؟, هل أصلحنا ما بيننا وبين الناس كما سعينا لإصلاح ما بيننا وبين الله؟.

إن الصيام ليس امتناعًا عن الطعام والشراب فحسب, بل هو امتناع عن الأذى عن القسوة عن الكلمات الجارحة, عن كل ما يثقل الروح ويبعدها عن نورها, إن أخطر ما قد يقع فيه الإنسان في منتصف رمضان, والظن أن ما مضى لا يمكن تعويضه وهذه خدعة خفيّة, فكم من عبد بدأ متأخرًا فسبق, وكم من آخر بدأ قويًا فتراخى.في الطريق العبرة ليست بسرعة البداية, بل بصدق الاستمرار, وما تبقى من الشهر قد يكون أثقل في الميزان من كل ما سبقه إن صلحت النية واستيقظ القلب.

ولا يخفى أن لرمضان أثرًا اجتماعيًا يتجاوز حدود الفرد إلى المجتمع بأسره, ففي أيامه الأولى تتبدّل ملامح الشوارع وتزداد موائد الخير وتتقارب القلوب التي فرقتها مشاغل العام. نرى الجار يسأل عن جاره, والقريب يصل رحمه والغنيّ يلتفت إلى الفقير, وكأن الشهر يعيد تذكير الناس بأبسط معاني الإنسانية التي كادت أن تُنسى في زحام الحياة, غير أن السؤال الأهم في منتصف الطريق, هل يبقى هذا الأثر؟ أم أنه يبهت كما يبهت الحماس الأول؟.

إن القيمة الحقيقية لشهر رمضان لا تكمن في المظاهر العابرة ولا في الأضواء والزينة وحدها, بل في التحوّل الداخلي الذي ينعكس سلوكًا دائمًا, فإذا كان الشهر قد علّمنا الصبر, فليظهر في تعاملاتنا بعده, وإذا درّبنا على ضبط اللسان, فليستمر ذلك خلقًا ثابتًا لا ينتهي بانتهاء الهلال, إن المجتمع الذي يتغير في رمضان قادرٌ أن يتغيّر بعده شرط أن يتحوّل الشعور المؤقت إلى وعيٍ دائم, فليس المطلوب أن نكون ملائكة لشهرٍ واحد ثم نعود كما كنّا, بل أن يكون رمضان نقطة تحوّل حقيقية يترك أثره في طريقة حديثنا وفي رحمتنا ببعضنا البعض وفي إحساسنا بالمسؤولية تجاه غيرنا.

إن في النصف الثاني من شهر رمضان سرًا خاصًا, ففيه ليالٍ تتضاعف فيها المعاني وتقترب فيها الأرواح أكثر من أبواب السماء وتلوح في أفقها, ليلةٌ هي خيرٌ من ألف شهر, ليلة قد تغيّر قدَر إنسان وتبدّل حالًا بحال وتفتح بابًا ظنّه صاحبه مغلقًا إلى الأبد, فهل يليق بنا أن نستقبل ما تبقّى بقلوبٍ منشغلة أو بعزائم خامدة؟. وشهر رمضان لا يطلب منا الكمال, بل يطلب الصدق, لا يشترط أن نأتي بما يعجز عنه غيرنا, بل أن نحضر بقلوبنا فيما نقدر عليه. ركعتان في جوف الليل بدعاءٍ صادق, ودمعةٍ خفية, قد تكونان أصدق أثرًا من أعمالٍ كثيرة بلا حضور, صدقة يسيرة قد تمحو عن القلب أثقالًا لم تمحها الكلمات, استغفار متواصل قد يفتح في الروح نافذة ضوءٍ لم نكن نراها.

وفي انتصاف الشهر تتجلّى فرصة المصالحة مع النفس, أن نعترف بضعفنا دون يأس وبأخطائنا دون جلدٍ قاسٍ للذات, فالله الذي دعانا إلى هذا الموسم يعلم نقصنا قبل أن نعلمه, ومع ذلك فتح لنا أبواب الرجاء ووعد بالمغفرة, وأخبر أن رحمته سبقت غضبه, فما أعظمها من فرصة وما أشد خسارة من يمرّ بها دون أن يلتقط منها ما ينجيه, فلنجعل من النصف المتبقي بدايةً حقيقية لا امتدادًا لفتورٍ سابق, لنخفف من ضجيج الدنيا قليلًا, ونفسح في القلب مساحةً للسكينة. لنجتهد أن يكون لكل يومٍ أثر ولكل ليلةٍ دعوة ولكل سجدةٍ معنى, فالأيام تمضي سريعًا والأعمار أقصر مما نظن وربما لا ندرك رمضانًا آخر…

ها هو الشهر قد انتصف, لكن الرحمة لم تنتصف والمغفرة لم تنتصف والفرص لم تنتصف, كل ليلةٍ فيه ما تزال بابًا مفتوحًا, وكل فجرٍ فيه وعدًا جديدًا لمن أراد أن يولد من جديد, فلا تجعلوا ما مضى يحبطكم ولا تجعلوا ما تبقى يمر كما مر غيره. أعيدوا ترتيب النية, وجددوا العهد واستقبلوا ما بقي بقلب أكثر حضورًا, ولعلّ أصدق ما يمكن أن يقال في هذه اللحظة إن منتصف الطريق ليس دعوة للتراجع, بل فرصة أخيرة لتسيروه كما ينبغي. فرب خطوة صادقة في الأيام القادمة تعادل أعمارًا من الغفلة, وربّ دمعة في سجدة خاشعة تكتب لصاحبها حياة جديدة.

فليكن ما بقي من رمضان أجمل مما مضى, وأصدق مما خططنا له, وأقرب إلى الله مما كنا نتخيل, فإن كان أوله رحمة وأوسطه مغفرة, فاجعلوا ختامه عتقًا حقيقيًا من كل ما أثقل أرواحكم. شهر رمضان لا ينتصف ليذكّرنا بما فات, بل ليختبر صدقنا فيما تبقى…

وانتصف الشهر... إسراء محمد
وانتصف الشهر… إسراء محمد
وانتصف الشهر... إسراء محمد
وانتصف الشهر… إسراء محمد

زر الذهاب إلى الأعلى