صدى مصرمقالاتمنوعات

أعيدوا الشاويش إلى شوارعنا وحاراتنا

أعيدوا الشاويش إلى شوارعنا وحاراتنا

 

بقلم: ياسر وزيري – خبير تربوي وكاتب مصري

قديماً كان للأمان اسمٌ وصوت.. كان صوتُه صفارةَ غفيرِ الدرك، وكلمةُ الشاويشِ التي كانت تُسمع وتُطاع. كان للشارع كبيرٌ، وللحارة هيبة، وللكلمةِ احترام. كان الطفل إذا أخطأ، وجد من يردعه بكلمة، والشاب إذا تطاول، وجد من يوقفه بنظرة. كان الأمان لا يُشترى، بل كان يمشي على قدمين في الحارة.

واليوم، لا يُنكر أحدٌ الجهدَ العظيمَ والتضحياتِ الجسيمةَ التي يقدمها رجالُ وزارةِ الداخليةِ ليلَ نهارَ من أجل حفظِ الأمن، فهم درعُ الوطنِ وسندُه، وجهودُهم في الشارع واضحةٌ للجميع، ويقدمون أرواحهم فداءً لهذا الوطن. لهم كل التحية والتقدير.

ولكننا كمجتمعٍ يجب أن نساعدَ أنفسنا، لأن هناك ظواهرَ غريبةً بدأت تنالُ من هيبةِ الشارع، وتزرعُ الفوضى في حاراتنا.

أولاها، الفن الهابط الذي يصنع البلطجي:

بعضُ الأعمالِ الفنيةِ المبتذلةِ التي رسمت صورةً ذهنيةً خطيرةً لدى الطفلِ والمراهق، مفادُها أن البلطجةَ هي الحل، وأن على كلِّ فردٍ أن يأخذَ حقه بيدِه، وأنه لا وجودَ للقانون. بطلُ المسلسل يحملُ المطواة، والبطلُ يأخذُ حقه بالذراع، فماذا ننتظر من طفلٍ يشاهد هذا ليل نهار؟

هذه الصورةُ خلقت حالةً من عدمِ احترامِ الكبير، وضياعِ احترامِ المعلم في فصله، وربّت جيلاً ونشئاً غيرَ قادرٍ على التعاملِ بالقانون، وأصبح الحلُّ لديه أن يحملَ سلاحَه الأبيض ويقفَ به في الشوارع. وإن استمرَ الوضعُ على هذا النحوِ، فإن الأمورَ ستخرجُ عن السيطرةِ يوماً ما. التربية قبل التعليم، والقدوة قبل النصيحة.

وثانيها، وهي الطامةُ الكبرى التي تجاوزت كلَ حد.. مركبةُ الـ “توك توك”:

نحن لا ننكرُ أبداً أن مركبةَ التوك توك تُعدُّ مصدرَ رزقٍ لكثيرٍ من الأسر، وأن الكثيرَ من سائقيها أناسٌ محترمون يكسبون قوتَهم بالحلالِ ويعولون أُسرَهم. هذا حقٌّ ويجب أن يُقال، ولا يجوز أن نعمم.

ولكن الأمرَ تجاوزَ كلَ حد.. تجاوزَ كلَ حد.

أصبحت بعضُ الشوارعِ لا يستطيعُ المرءُ أن يسيرَ فيها بمفردِه من كثرةِ مركباتِ التوك توك. انظر مثلاً إلى منطقةِ حلوان، والمعصرة، وكثير من أحياء القاهرة والإسماعيلية، لا تستطيعُ أن تخطوَ خطوةً واحدةً من شدةِ الزحامِ والعشوائيةِ والفوضى. مركباتٌ بلا لوحاتِ أرقام، بلا ترخيص، بلا هوية، يقودُها أطفالٌ صغار لم يبلغوا الخامسة عشرة، وتحدثُ فيها مصائبُ كثيرة، وتتحولُ في لحظةٍ إلى وسيلةٍ للهروبِ بعد ارتكابِ أيِّ جريمة، أو وسيلةٍ للمعاكسات والتحرش في وضح النهار.

لقد تحول من وسيلة مواصلات لسد فجوة، إلى دولة داخل الدولة، لا يحكمها قانون ولا رابط.

وثالثها، غياب كبير الشارع:

زمان كان في كل حارة كبير، عمدة، شيخ حارة، غفير نظامي يعرف كل بيت وكل فرد. اليوم أصبح الشارع بلا صاحب. نحتاج أن نعيد فكرة غفير الدرك والشاويش ولكن بثوبٍ عصري. نحتاج إلى شرطة مجتمعية، إلى نقطة شرطة صغيرة في كل حي شعبي كبير، إلى فرد أمن راجل يعرف أهل منطقته. نحتاج أن يشعر المواطن أن الدولة موجودة في الشارع، ليس فقط بسيارة الشرطة التي تمر، بل برجلٍ واقفٍ يحفظ الأمن.

ما الحل إذن؟

الحل ليس في المنع الكامل، بل في التنظيم الحازم:

  1. ترخيص إلزامي وحقيقي: لا توك توك بدون لوحات معدنية، وبدون رخصة قيادة، وبدون تحليل مخدرات، وتحديد سن لا يقل عن 21 عاماً. 2. تحديد خطوط سير: التوك توك ليس بديلاً عن الميكروباص في الشوارع الرئيسية. يجب أن يُمنع من السير في الشوارع العمومية والرئيسية ويُقتصر عمله داخل الحواري والمناطق الداخلية فقط. 3. عودة هيبة المدرسة والبيت: لا بد من عودة احترام المعلم بقانون يحميه، وعودة دور الأب والأم في متابعة أبنائهم، ماذا يشاهدون؟ ومع من يسيرون؟ 4. محاسبة الفن المبتذل: كما نحاسب من يبيع طعاماً فاسداً، يجب أن نحاسب من يقدم فناً فاسداً يسمم عقول أبنائنا.

يا سادة، الشارع هو المدرسة الأولى. إذا صلح الشارع، صلحت المدرسة، وصلح البيت، وصلح المجتمع كله. أعيدوا لنا الأمان الذي كنا ننام به وأبوابنا مفتوحة. أعيدوا غفير الدرك والشاويش، ولو بمسميات جديدة، أعيدوا كبير الحارة، أعيدوا هيبة الشارع.

هذا نداء من القلب، قبل أن نستيقظ يوماً وقد أصبحت شوارعنا لا تُطاق.

زر الذهاب إلى الأعلى