أندلسي دفن في مُنية الخصيب بصعيد مصر
بقلم / محمـــد الدكـــروري
ذكرت المصادر التاريخية الإسلامية الكثير والكثير عن الإمام القرطبى وهو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي الأندلسي القرطبي المفسر، وهو الذي قال عنه الإمام الذهبي هو إمام متقن، متبحّر في العلم، له تصانيف مفيدة، تدل على إمامته، وكثرة اطلاعه، ووفور فضله، وقال عنه ابن فرحون كان من عباد الله الصالحين، والعلماء العارفين الورعين الزاهدين في الدنيا، المشغولين بما يعنيهم من أمور الآخرة، أوقاته معمورة ما بين توجه وعبادة وتصنيف، وان القرطبي رحمه الله تعالى كان يلتزم الأصول العلمية، ويتبع أساليب العلماء الفضلاء الذين لا يعنيهم إلا أن يثبتوا الفضل لأهله، ويتورعوا عن أن ينسبوا لأنفسهم ما ليس لهم.
وهذه هي الأمانة العلمية التي يعمل علماء العالم الآن على تأصيلها، وتثبيت قيمها، واتخاذ أساليب لتنفيذها، ولا يتصور أنها تخرج عما ارتضاه الإمام القرطبي لنفسه حين كتب تفسيره حيث قال “وشرطي في هذا الكتاب إضافة الأقوال إلى قائليها، والأحاديث إلى مصنفيها، فإنه يقال من بركة العلم أن يضاف إلى قائله وكان القرطبي رحمه الله من الزهد والورع بمكان، ومن ثم أثنى عليه المؤرخون لتحليه بهذه الصفات الحميدة، فقال ابن فرحون كان من عباد الله الصالحين، والعلماء العارفين الورعين، الزاهدين في الدنيا، المشغولين بما يعنيهم من أمور الآخرة، ونرى في مطالعتنا لكتب القرطبي نفس العالم الصالح الورع الزاهد في كل صفحة من صفحاتها، فهو يشكو دائما من كثرة الفساد.
وانتشار الحرام، والابتعاد عن الواجبات، والوقوع في المحرمات، ومن مظاهر ورعه وزهده هو تصنيفه كتابي قمع الحرص بالزهد والقناعة وكتاب التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة، ومن مظاهره أيضا هو ذمه الغنى الذي يجعل صاحبه مزهوا به، بعيدا عن تعهد الفقراء، ضعيفا في التوكل على رب الأرض والسماء، ولا غرابة في أن يكون القرطبي شجاع القلب، جريئا في إعلان ما يراه حقا، لأنه قد اكتسب تلك الأسباب، التي تسلحه بهذه الجرأة من علم واسع، وورع مشهود، واستهانة بالدنيا ومظاهرها، ولهذا كان رحمه الله تعالى ممن لا تأخذه في الله لومة لائم، ويتمثل هذا في إيمائه في أكثر من موضع في تفسيره إلى أن الحكام في عصره الذين حادوا عن سواء السبيل، فهم يظلمون ويرتشون.
وتسود عندهم أهل الكتاب، ومن ثم فهم ليسوا أهلا للطاعة، ولا للتقدير، وكان يقول الامام القرطبى هذا هو الزمان الذي استولى فيه الباطل على الحق، وتغلب فيه العبيد على الأحرار من الخلق، فباعوا الأحكام، ورضي بذلك منهم الحكام، فصار الحكم مكسا، والحق عكسا لا يوصل إليه، ولا يقدر عليه، بدلوا دين الله، وغيروا حكم الله، سماعون للكذب أكَالون للسحت، وبعد أن قضى الإمام القرطبي عمره بين تعلم وعبادة وتصنيف، جاءته سكرة الموت وهو بمنية بني خصيب من الصعيد الأدنى بمصر، ففي مُنية الخصيب بصعيد مصر، كانت وفاة عالمنا الجليل الإمام القرطبى، ليلة الاثنين التاسع من شهر شوال سنة ستمائه وواحد وسبعين من الهجرة وقبره بالمنيا شرق النيل .








