الاستقرار والتجديد المؤسسي: نحو تعاقد سياسي فارق في تجارب المنطقة
بقلم: عبد المجيد عبوبي
رئيس المجلس الوطني لحزب الحرية والعدالة الاجتماعية بالمغرب ومحلل سياسي
تستوقفنا اللحظة التاريخية الراهنة بأسئلة مفصلية حول معنى الفعل السياسي ومستقبله. لقد شغلنا النقاش اليومي بتحليل الأزمات واستعراض المظاهر، بيد أن التشخيص العميق يقتضي النفاذ إلى الجوهر: هل نمارس السياسة بمعناها التأسيسي القائم على بناء المؤسسات وتطوير الفضاء العمومي، أم نكتفي بإدارة التوازنات القائمة؟
السياسة كفضاء لبناء الإرادة الوطنية
علمتنا أدبيات الفلسفة السياسية وتجارب الأمم أن العمل السياسي المسؤول ليس ميداناً للمغالبة أو الصراع الصفري، بل هو الفضاء العمومي القادر على استيعاب التعددية، وتحويل الاختلافات الاجتماعية والاقتصادية إلى برامج عمل تتكامل ضمن مشروع وطني جامع.
إن التحدي الأساسي الذي يواجه التجارب السياسية يكمن في تغليب مفهوم “الشرعية الإجرائية والتمثيلية” جنباً إلى جنب مع “الشرعية الإنجازية والتاريخية”. فالمواطنة الفاعلة تتطلب تعزيز وسائط الحوار والمؤسسات التشاركية، ليكون المواطن شريكاً في صناعة القرار لا مجرد متلقٍ للنتائج.
سياقات متمايزة ورؤى للمستقبل
عبر قراءة متأنية للتجارب المعاصرة، يتضح أن الاستقرار والتحول يتوقفان على قدرة الدولة والمجتمع على ابتكار صيغ للتجديد المستمر:
التجربة المغربية: تُشكل المرجعية التاريخية والاستقرار المؤسسي نقطة ارتكاز صلبة ومميزة. وإن الرهان اليوم يتجلى في تحويل هذا الاستقرار إلى دينامية التزام حزبي ومجتمعي أقوى، يتيح للشباب والأطر الوطنية التعبير عن طاقاتهم داخل مؤسسات وسيطة قوية ومسؤولة، قادرة على تعزيز العدالة الاجتماعية والنهوض الاقتصادي.
النموذج القائم على عراقة المؤسسات: يبرز الوزن الديمغرافي والعريق لمؤسسات الدولة كمصدر ثبات وصمود، بينما يظل الأفق التنموي مرتهناً بتوسيع مجالات المبادرة المدنية والاقتصادية لتشارك المؤسسات في تحمل أعباء البناء والتنمية.
النموذج القائم على التحول التنموي المتسارع: يقدم تجربة مرجعية في التحديث الاقتصادي، حيث يتجه التحدي الاستراتيجي فيه نحو ترسيخ هذه الإنجازات ضمن أطر مؤسسية مستدامة تعتمد على الكفاءة والتنافسية العالية.
نموذج استعادة الدولة الوطنية: يُقدم درساً حياً حول أهمية الدولة الموحدة؛ إذ تبقى استعادة سيادة القانون وحصرية السلاح وتجاوز المحاصصة الضمان الوحيد لإعادة بناء مؤسسات تشكّل بيئة آمنة للمواطنين.
مقومات النهوض والحوكمة السياسية
إن صياغة غدٍ أفضل تتطلب مراجعة صريحة للآليات السياسية السائدة، والتركيز على أربعة أركان أساسية:
إعادة الاعتبار للوساطة الحزبية: تطوير الأحزاب السياسية لتصبح بيوت خبرة ومنصات لإنتاج الحلول، لا مجرد هياكل موسمية.
تجويد الممارسة وتخليق الحياة العامة: جعل الحوكمة، الشفافية، ومحاربة الفساد قواعد عمل يومية تعزز ثقة المواطن في العمل السياسي والمدني.
تطوير الفضاء العمومي: فتح مجالات للنقاش الرشيد والنقد البنّاء بما يخدم المصلحة العليا ويحافظ على ثوابت الأمة ومقدساتها.
تجاوز الحلول الإدارية المؤقتة: الانتقال من إدارة الأزمات إلى التخطيط الاستراتيجي العابر للحكومات.
إن السؤال المفصلي اليوم ليس ماذا حدث في الماضي، بل كيف نصنع آفاق المستقبَل. إن المسار السياسي الواعي لا يعتمد على الأمنيات، بل على الإرادة الجماعية القادرة على تحويل الرؤى الفكرية إلى ممارسات عمل متكاملة. والمسؤولية الملقاة على عاتق النخب السياسية والمفكرين تتمثل في قيادة هذا التحول بشجاعة فكرية ونزاهة وطنية، لبناء مجتمعات قائمة على الحرية المسؤولة والعدالة الاجتماعية المستدامة.








