الاقتصاد الأوروبي والاضطرابات الحالية
قلم / عادل شلبي
لم يعد خافياً على أحد أن أوروبا اليوم تعيش أسوأ حالاتها النفسية والاقتصادية والمجتمعية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فالقارة العجوز التي كانت تتباهى بالرخاء والاستقرار والرفاهية، أصبحت اليوم مسرحاً للقلق والتضخم والانقسام والخصام المجتمعي.
والسؤال : لماذا وصلت أوروبا إلى هذا الحال ؟
أولاً : التأثر النفسي والخصام المجتمعي
لقد أدت أحداث غزة وما يجري فيها من مأساة إنسانية أمام أعين العالم، إلى شرخ كبير داخل المجتمع الأوروبي نفسه. الشعوب الأوروبية ترى ازدواجية المعايير بعينها : حقوق الإنسان تُرفع شعاراً عندما يتعلق الأمر بأوكرانيا، وتُداس بالأقدام عندما يتعلق الأمر بغزة. هذا التناقض خلق حالة من فقدان الثقة بين الشعوب وحكوماتها.
ففي فرنسا وإيطاليا وألمانيا وبلجيكا، خرجت ملايين المظاهرات، وانقسم الشارع بين مؤيد لإسرائيل ومؤيد لفلسطين، حتى وصل الأمر إلى خصام داخل البرلمانات والأحزاب والعائلات نفسها.
ثانيا : حروب أنهكت الاقتصاد
أوروبا اليوم تدفع فاتورة ثلاث حروب في وقت واحد:
1- الحرب الروسية الأوكرانية : وهي التي قطعت عن أوروبا الغاز الروسي الرخيص، فارتفعت أسعار الطاقة بنسبة 300%، وأغلقت آلاف المصانع في ألمانيا، قلب الصناعة الأوروبية. فكيف لدولة صناعية أن تنافس وأسعار الكهرباء فيها أصبحت أربعة أضعاف؟
2- حرب غزة وتداعياتها : والتي أغلقت باب المندب وأثرت على قناة السويس، فارتفعت أسعار الشحن والتأمين، وتأخرت البضائع، ودفع المواطن الأوروبي الثمن في السوبر ماركت.
3- الحرب الإيرانية – الغربية الصهيونية : وهي الحرب الباردة الساخنة في مضيق هرمز والخليج، والتي تجعل كل أسواق النفط والغاز في حالة رعب دائم. كل تهديد إيراني بإغلاق المضيق يرفع سعر البترول 10 دولارات، ومن يدفع؟ المواطن الأوروبي البسيط.
ثالثاً : النتيجة داخل أوروبا
اليوم في فرنسا، المزارعون يغلقون الطرق بالجرارات.
في ألمانيا، عمالقة الصناعة مثل فولكس فاجن وباسف يفكرون في الهجرة إلى أمريكا.
في إيطاليا، الحكومة تتصارع مع الاتحاد الأوروبي على الميزانية.
في بلجيكا، قلب الاتحاد الأوروبي، المظاهرات لا تنقطع.
لقد انكشف للمواطن الأوروبي أن قادته قادوه إلى حروب ليس له فيها ناقة ولا جمل، خدمة لمصالح أمريكية وصهيونية، على حساب رغيف خبزه وتدفئة بيته.
إن الاقتصاد الأوروبي اليوم ليس مريضاً بسبب ضعف الإنتاج، بل هو مريض بسبب ضعف القرار السياسي، والتبعية العمياء، والابتعاد عن الحياد الذي بنت عليه أوروبا مجدها بعد الحرب.
وحتى تعود أوروبا إلى رشدها، عليها أن تفك ارتباطها بسياسات الحروب، وأن تعود إلى سياسة مصالحها الوطنية، وإلا فالانهيار قادم لا محالة، والشعوب لن تسكت طويلاً








