التاريخ من وراء الستار
بقلم / محمد مصطفى كامل
في هذه السلسلة لن نسير دائمًا في طريق مستقيم.
سنغادر مدينة قبل أن تنتهي حكايتها، ونعود إليها بعد سنوات.
وسنعبر من المشرق إلى المغرب، ثم نعود عبر البحر إلى مصر والشام، وكأننا نطير فوق الزمن وننظر إلى العالم الإسلامي وهو يتحرك في أكثر من اتجاه في اللحظة نفسها.
فبينما كانت الأندلس تحاول أن تنقذ ما تبقى من أرضها، كانت مصر تستعد لمواجهة خطر جديد.
وبينما كان في الغرب الإسلامي رجال يحاولون بناء دول من بين أنقاض دول أخرى، كان القادمون من أوروبا يعيدون النظر في خريطتهم.
لقد جربوا الطريق إلى القدس.
وحاربوا في الشام.
واصطدموا بصلاح الدين ومن جاء بعده.
لكنهم بدأوا يدركون حقيقة مختلفة.
ربما لم تكن القدس هي بداية الطريق.
ربما كانت النهاية.
أما البداية فقد كانت هناك، إلى الجنوب من الشام، حيث يجري نهر صنع دولة، وأطعم جيوشًا، ومنح صلاح الدين القوة التي مكنته يومًا من تغيير وجه المنطقة.
كان اسم ذلك المكان:
مصر.
حين اتجه الصليبيون إلى مصر
الحملة التي لم تبدأ من القدس، لأنهم اكتشفوا أن الطريق إليها يمر من النيل
لم تكن القدس قد خرجت من ذاكرة أوروبا.
كانت المدينة لا تزال هناك.
خلف الجيوش الإسلامية.
وخلف دولة أسسها رجل اسمه صلاح الدين.
رحل الرجل.
ثم اختلف ورثته.
ثم ظهر العادل، شقيق صلاح الدين، ليعيد جمع ما كاد يتفرق.
لكن بينما كان البيت الأيوبي يرتب نفسه من الداخل.
كان هناك رجال في أوروبا ينظرون إلى الخريطة بطريقة مختلفة.
لم يعد السؤال كيف نصل إلى القدس؟
بل أصبح السؤال الأخطر ما الدولة التي تحمي القدس؟
وكانت الإجابة واضحة.
مصر.
وهكذا، بعد سنوات من الحروب التي دارت حول الشام وفلسطين، بدأ التفكير في طريق جديد.
طريق لا يبدأ من القدس.
ولا يمر أولًا بأسوارها.
بل ينزل إلى مكان آخر.
إلى دلتا النيل.
إلى مدينة اسمها،دمياط.
وهنا بدأت الحملة الصليبية الخامسة.
عندما غير الصليبيون الخطة
كانت الحملات الصليبية السابقة قد ركزت على بلاد الشام.
مدن الساحل.
أنطاكية.
عكا.
القدس.
لكن تجربة صلاح الدين كانت قد تركت درسًا مهمًا.
لقد بدأ الرجل صعوده من مصر.
ومن مصر حصل على المال.
والجنود.
والقدرة على التحرك.
ثم استطاع أن يوحد مصر والشام.
ثم جاءت حطين.
ثم عادت القدس.
ولهذا بدأ بعض قادة أوروبا يرون أن مواجهة الدولة الأيوبية في الشام وحدها لن تكون كافية.
إذا أردت أن تضرب قوة الأيوبيين،
فابحث عن قلبها.
وكان القلب ، مصر .
لم تكن الفكرة أن يحتل الصليبيون مصر إلى الأبد بالضرورة.
كانت هناك فكرة أكبر.
اضرب مصر.
واحتلها.
ثم استخدمها للضغط على الأيوبيين.
وربما تصبح القدس بعد ذلك نتيجة لا بداية.
لقد تغيرت الخطة.
وللمرة الأولى تقريبًا بهذا الحجم، أصبح النيل نفسه جزءًا من الحرب الصليبية.
دمياط المدينة التي أصبحت بوابة مصر
في سنة 1218م، وصلت القوات الصليبية إلى دمياط.
ولم يكن اختيار المدينة صدفة.
كانت دمياط واحدة من أهم مداخل مصر من جهة البحر.
ومن يسيطر عليها يستطيع أن يضع قدمه داخل دلتا النيل.
لكن الطريق لم يكن مفتوحًا.
فأمام المدينة كان هناك نظام دفاعي شديد الأهمية.
نهر.
وسلاسل.
وحصن.
وبرج يحرس مدخل النيل.
كان البرج يقف في موضع استراتيجي، وكأنه يقول للقادمين من البحر لن تدخلوا بسهولة.
وهنا بدأت واحدة من أصعب مراحل الحملة.
لم يكن الهدف في البداية مجرد مدينة.
كان عليهم أولًا أن يكسروا باب مصر.
وكان ذلك الباب هو برج السلسلة.
بينما كان الصليبيون يحاصرون دمياط
كان العادل في تلك اللحظة رجلًا يعرف الحرب.
عاش سنوات طويلة إلى جوار صلاح الدين.
وشارك في إدارة مصر والشام.
وعرف الصليبيين جيدًا.
لكنه كان الآن يواجه مشكلة مختلفة.
لم يعد هو ذلك الأمير الذي يقف إلى جوار أخيه.
أصبح هو الرجل المسؤول عن الدولة.
والدولة واسعة.
والأمراء كثيرون.
والصراع الداخلي لم يختفِ تمامًا.
والآن جاء خطر جديد من البحر.
وهكذا وجد العادل نفسه أمام اختبار كبير.
هل يستطيع أن يحافظ على الدولة التي حاول إعادة جمعها؟
أم أن مصر ستسقط في يد جيش جاء من أوروبا؟
عندما سقط البرج
استمر القتال.
وحاول الصليبيون الوصول إلى البرج.
وكانت المعركة معقدة.
مياه النيل.
السفن.
الأسوار.
والقوات المدافعة.
لكن في النهاية تمكن الصليبيون من السيطرة على البرج.
وكان سقوطه لحظة خطيرة.
لأن الأمر لم يعد مجرد وجود جيش أوروبي أمام دمياط.
الآن أصبح الطريق أكثر انفتاحًا.
وبدأ الخطر يقترب من المدينة نفسها.
وكان العادل يدرك معنى ذلك.
إذا سقطت دمياط،فإن الحملة ستكون قد حصلت على موطئ قدم حقيقي داخل مصر.
الرجل الذي لم يحتمل الخبر
لكن العادل لم ير نهاية هذه المعركة.
فوسط القلق.
والتحركات.
والأخبار القادمة من دمياط،رحل الرجل.
مات العادل سنة 1218م.
وكانت وفاته لحظة صعبة بالنسبة للدولة الأيوبية.
مرة أخرى يموت الرجل الذي يجمع السلطة.
ومرة أخرى يظهر السؤال نفسه:
ماذا يحدث للدولة عندما يرحل الرجل الذي يمسك خيوطها؟
لكن هذه المرة كان هناك رجل آخر ينتظر.
ابن العادل.
رجل عرف مصر جيدًا.
وعرف أن المعركة القادمة قد تحدد مصير الدولة كلها.
وكان اسمه:
الكامل محمد.
الكامل يدخل المعركة
تولى الكامل مسؤولية مصر في لحظة شديدة الخطورة.
الصليبيون أمام دمياط.
والدولة الأيوبية ليست دولة مركزية بسيطة.
بل شبكة من الأمراء.
والمدن.
والجيوش.
والتحالفات العائلية.
وكان عليه أن يفعل شيئًا واحدًا في أسرع وقت.
أن يمنع سقوط مصر.
لكن المعركة لم تكن سهلة.
فالجيش الصليبي كان يمتلك دعمًا بشريًا وماديًا.
ووصلت إليه قوات جديدة.
وأصبح الحصار يضغط على دمياط.
وفي المقابل، كان الكامل يحاول تنظيم الدفاع.
ويبحث عن الدعم.
وينتظر وصول قوات من بقية الدولة الأيوبية.
وهنا ظهرت المشكلة القديمة مرة أخرى.
الدولة واسعة.
لكن جمع قوتها يحتاج إلى وقت.
والعدو موجود بالفعل داخل الأرض المصرية.
عندما أصبح العرض أغرب من الحرب
وسط هذه الأحداث ظهرت واحدة من أكثر اللحظات غرابة في تاريخ الحملة الصليبية.
كان الكامل مستعدًا للتفاوض.
والتفاوض لم يكن على شيء صغير.
كانت هناك محاولات للوصول إلى اتفاق يتضمن انسحاب الصليبيين من مصر مقابل الحصول على القدس وأراضٍ أخرى في فلسطين.
كانت الفكرة واضحة.
مصر أهم.
إذا كان الاختيار بين خسارة جزء من بلاد الشام أو خسارة قلب الدولة،فإن الحفاظ على مصر يصبح أولوية.
لكن داخل المعسكر الصليبي لم يكن الجميع يفكر بالطريقة نفسها.
كان هناك من يريد الاتفاق.
وهناك من يرى أن الحرب يجب أن تستمر.
وكانت هناك طموحات أكبر من مجرد استعادة القدس.
وهنا حدثت المفارقة.
كان من الممكن أن تتوقف الحرب.
لكن القرار لم يكن بيد رجل واحد.
واستمر الصراع.
دمياط تسقط
وفي سنة 1219م، سقطت دمياط في يد الصليبيين.
وكان سقوطها حدثًا ضخمًا.
للمرة الأولى أصبح الصليبيون يسيطرون على مدينة مصرية كبرى بهذه الأهمية.
وبدا المشهد وكأن الخطة الجديدة بدأت تنجح.
لقد وصلوا إلى مصر.
وكسروا دفاعات دمياط.
ودخلوا المدينة.
والآن أصبح السؤال إلى أين بعد ذلك؟
هل يتجهون جنوبًا؟
هل يتحركون نحو القاهرة؟
هل يستطيعون تحويل السيطرة على دمياط إلى سقوط مصر كلها؟
كان الصليبيون يعتقدون أن اللحظة أصبحت في صالحهم.
لكن المشكلة أن امتلاك مدينةشيء.
والسيطرة على مصر شيء آخر تمامًا.
الكامل ينتظر
لم يكن الكامل قادرًا على القضاء على الحملة بسرعة.
لكنه كان يعرف أرض المعركة.
وكان يعرف شيئًا لا يملكه القادمون من وراء البحر.
كان يعرف النيل.
ويعرف مواسمه.
ويعرف طبيعة الأرض.
ويعرف أن الجيش الكبير عندما يتحرك داخل مصر لا يقاتل السيوف فقط.
بل يقاتل الماء.
والطين.
والطرق.
والفيضانات.
والمرض.
والوقت.
ولهذا لم يكن يفكر فقط في معركة تقليدية.
كان ينتظر اللحظة التي تتحول فيها قوة الجيش الصليبي إلى نقطة ضعفه.
عندما ترك الصليبيون دمياط
في سنة 1221م، قرر الصليبيون التحرك من دمياط إلى الداخل.
كان الهدف هذه المرة أكثر وضوحًا.
التقدم نحو مركز مصر.
لكن كلما ابتعد الجيش عن الساحل، أصبحت المشكلة أكبر.
لم تعد السفن تحميه بالطريقة نفسها.
وأصبحت الأرض نفسها جزءًا من المعركة.
ثم جاء النيل.
وارتفعت المياه.
وتحولت الحركة إلى أزمة.
وأصبح الجيش الصليبي محاصرًا في منطقة صعبة.
وهنا تحرك الكامل.
لم يعد الصليبيون يملكون المساحة نفسها للمناورة.
وتحول التقدم إلى عبء.
والحملة التي جاءت إلى مصر وهي تحلم بالطريق إلى القدس،بدأت تبحث عن طريق للخروج.
وفي النهاية اضطر الصليبيون إلى التسليم بشروط تنهي حملتهم.
وأعيدت دمياط.
وخرجت القوات الصليبية من مصر.
وهكذا انتهت الحملة الخامسة.
لماذا فشلت الحملة؟
لأن الخطة لم تكن سيئة من البداية.
في الحقيقة كانت الفكرة خطيرة.
والهجوم على مصر كان يمكن أن يغير شكل المنطقة.
لكن الحملة واجهت مجموعة من المشكلات.
اختلاف القيادة.
الخلاف حول التفاوض.
التقدم بعيدًا عن قواعد الإمداد.
والأهم أنهم دخلوا أرضًا لم يعرفوا كيف يتعاملون معها.
كانوا يعرفون كيف يحاصرون مدينة.
لكن السيطرة على النيل كانت قصة أخرى.
وهنا لعبت الجغرافيا دورًا لا يقل أهمية عن دور الجيوش.
فمصر لم تكن مجرد أرض واسعة يمكن احتلالها بالسير إلى الأمام.
كانت أرضًا تحكمها المياه.
ومن يفهم حركة النيل،يفهم جزءًا من المعركة.
لكن القدس لم تعد إلى المسلمين بسبب النصر
هنا تبدأ المفارقة الجديدة.
نجح الكامل في إخراج الحملة الصليبية من مصر.
وفشلت أوروبا في تحويل دمياط إلى طريق نحو القدس.
لكن بعد سنوات قليلة فقط،سيحدث شيء لم يكن كثيرون يتوقعونه.
لن تسقط القدس بعد معركة كبرى.
ولن تدخلها جيوش صليبية بعد حصار طويل.
ولن تُهزم الدولة الأيوبية في حطين جديدة.
هذه المرة،سيتغير كل شيء بطريقة أخرى.
رجلان سيلتقيان.
أحدهما سلطان مصر.
والآخر إمبراطور أوروبا.
ولن يبدأ بينهما القتال.
بل الحوار.
وكان الرجل القادم من أوروبا هو:
فريدريك الثاني.
أما الرجل الذي سيجلس أمامه،
فهو الكامل.
وهنا سيحدث واحد من أكثر الأحداث إثارة للجدل في تاريخ الحروب الصليبية.
لأن المدينة التي استعادها صلاح الدين بعد حطين،ستعود إلى الصليبيين.
لكن ليس بالسيف.
بل باتفاق.
وفي الغرب كانت غرناطة تحاول أن تبقى
وبينما كانت دمياط تتحول إلى ساحة حرب بين الشرق والغرب،كانت الأندلس تعيش مرحلة مختلفة.
هناك لم تكن المعركة تدور حول مدينة يريد القادمون من أوروبا احتلالها.
بل حول أرض إسلامية بدأت تتقلص.
سقطت مدن.
وتراجعت قوة الموحدين.
وظهرت غرناطة.
تحاول أن تصنع لنفسها مكانًا وسط عالم يتغير.
في مصر، كان الكامل يمنع سقوط الدولة.
وفي الأندلس، كان ابن الأحمر سيبدأ بناء دولة من بين ما تبقى.
في الشرق، كانت الدولة تقاوم حملة جاءت من البحر.
وفي الغرب، كانت دولة جديدة تولد وسط انهيار الخريطة القديمة.
وهكذا لم يكن التاريخ يتحرك في اتجاه واحد.
بينما كان النيل يطرد جيشًا جاء بحثًا عن القدس،كانت الأندلس تفقد أجزاء جديدة من عالمها.
وفي اللحظة التي كانت فيها مصر تنتصر في دمياط،كانت غرناطة تستعد لمعركة أخرى.
معركة البقاء.
لكن الحكاية لم تنتهِ عند دمياط
خرج الصليبيون من مصر.
وعادت دمياط.
وبقيت الدولة الأيوبية.
وبدا أن الكامل نجح فيما فشل فيه الآخرون.
حافظ على مصر.
وأوقف الحملة.
وأثبت أن الطريق إلى القدس ليس سهلًا كما تخيل القادمون من أوروبا.
لكن بعد سنوات قليلة،سيأتي رجل لا يشبه ريتشارد قلب الأسد.
لن يأتي ليقود معركة كبرى.
ولن يبدأ رحلته بحصار مدينة.
بل سيأتي وهو يحمل فكرة مختلفة.
اسمه:
فريدريك الثاني.
إمبراطور أوروبا.
ورجل سيصل إلى الشرق في وقت كانت فيه الدولة الأيوبية نفسها تعيش حسابات معقدة.
وهنا سيحدث السؤال الذي سيقسم التاريخ إلى رأيين:
كيف يمكن لمدينة حررها صلاح الدين بعد واحدة من أعظم معارك التاريخ،
أن تعود بعد سنوات قليلة دون أن تُهزم الجيوش الإسلامية في معركة فاصلة؟
كيف يمكن أن تدخل القدس من جديد في يد الصليبيين،
دون حطين جديدة؟
ودون جيش عظيم؟
ودون حصار طويل؟
الإجابة،ستكون أغرب من الحرب نفسها.
في المقال القادم:
حين عادت القدس دون معركة
الكامل وفريدريك الثاني الاتفاق الذي أعاد المدينة المقدسة بعد أربعين عامًا من تحريرها
لم يحتل فريدريك الثاني القدس بالسيف.
ولم يهزم جيش الكامل في معركة.
ولم يقتحم أسوار المدينة.
ومع ذلك دخل القدس.
فكيف حدث ذلك؟
وهل كان الكامل قد خان إرث صلاح الدين؟
أم أنه كان يحاول إنقاذ دولة أصبحت مهددة من الداخل أكثر مما هي مهددة من الخارج؟
هنا سنقف أمام واحد من أكثر القرارات إثارة للجدل في تاريخ الدولة الأيوبية.
قرار سيجعلنا نعود إلى سؤال قديم:
هل السياسة دائمًا استمرار للحرب؟
أم أن هناك لحظات يختار فيها الحكام التنازل عن شيء،حتى لا يخسروا كل شيء؟
لأن التاريخ من وراء الستار لا يحكي دائمًا كيف انتصرت الجيوش.
أحيانًا يحكي كيف دخلت المدن من بوابة لم يرفع عندها أحد سيفًا.







