حين عادت القدس دون معركة
بقلم / محمد مصطفى كامل
في هذه السلسلة، لا نسير في التاريخ على طريق مستقيم.
نغادر مدينة لنصل إلى أخرى. ونترك حدثًا في المشرق لنرى ما يحدث في المغرب. وقد نعبر البحر، أو نعود سنوات إلى الوراء، لأن التاريخ لم يكن يومًا قصة تحدث في مكان واحد.
فبينما كانت الأندلس تحاول أن تنجو مما بقي منها، كانت في المشرق قصة أخرى تتشكل فوق الأرض التي حررها صلاح الدين.
لقد رحل الرجل. وتغير الزمن. وتغير الرجال.ولم تعد المعارك تُحسم دائمًا بالسيف. فأحيانًا، يستطيع توقيع واحد أن يغيّر ما عجزت عنه الجيوش.
وهذه المرة، سنعود إلى القدس. لكننا لن نجد صلاح الدين أمام أسوارها. ولن نجد جيشًا صليبيًا يقتحمها. سنجد رجلين يجلسان أمام خريطة. أحدهما يريد القدس.
والآخر يريد أن يحافظ على ما هو أكبر من مدينة. ومن هنا تبدأ واحدة من أكثر لحظات التاريخ الأيوبي إثارة للجدل.
التاريخ من وراء الستار
حين عادت القدس دون معركة
الكامل وفريدريك الثاني، كيف دخل الصليبيون المدينة التي حررها صلاح الدين دون أن يرفعوا سيفًا؟
هناك مدن تدخلها الجيوش بعد حصار طويل.
ومدن تُفتح بعد معارك تغير وجه التاريخ.
وهناك مدينة استعادها صلاح الدين بعد حطين.
ثم عادت بعد سنوات إلى الصليبيين،
دون حطين جديدة.
ودون جيش صليبي يهزم جيش المسلمين في معركة فاصلة.
ودون اقتحام للأسوار.
فكيف حدث ذلك؟
بعد أن انتهت الحملة الصليبية الخامسة بالفشل، وخسر الصليبيون دمياط وعادوا من مصر دون أن يصلوا إلى هدفهم الكبير، بدا وكأن الدولة الأيوبية استعادت توازنها.
نجا الكامل.
وبقيت مصر.
وفشلت الخطة التي قامت على فكرة بسيطة:
اضرب مصر أولًا.
ثم تصبح القدس ممكنة.
لكن أوروبا لم تتوقف.
والقدس لم تخرج من الذاكرة.
وفي الوقت نفسه، لم تكن الدولة الأيوبية تعيش في عالم هادئ.
فبعد صلاح الدين.
ثم العادل.
عاد السؤال القديم يطل من جديد.
من يملك؟
ومن يحكم؟
ومن يسيطر على دمشق؟
ومن يستطيع أن يحافظ على ما بقي من الدولة؟
وهنا ظهر رجل جديد.
لم يكن يشبه ريتشارد قلب الأسد.
ولم يكن رجلًا يبحث فقط عن معركة.
كان رجلًا يؤمن بأن السياسة يمكن أن تحقق ما قد تعجز عنه الجيوش.
وكان اسمه:
فريدريك الثاني.
رجل جاء إلى الشرق بطريقة مختلفة
كان فريدريك الثاني واحدًا من أكثر حكام أوروبا إثارة للجدل في عصره.
إمبراطور.
وملك.
ورجل واسع الثقافة.
لكنه لم يكن النموذج التقليدي للفارس الصليبي الذي يحلم فقط بساحة القتال.
عندما اتجه إلى الشرق، لم يكن الوضع كما كان أيام صلاح الدين وريتشارد.
الدولة الأيوبية نفسها تغيرت.
والأمراء الأيوبيون اختلفوا.
والصراع داخل الأسرة عاد ليصبح جزءًا من المشهد.
وكان الكامل، سلطان مصر، يعرف أن الخطر لا يأتي دائمًا من البحر.
أحيانًا يأتي الخطر من داخل البيت نفسه.
وهنا بدأت السياسة تتحرك.
الكامل بين القدس ودمشق
كان الكامل سلطانًا قويًا.
وقد أثبت خلال الحملة الصليبية الخامسة أنه قادر على الدفاع عن مصر.
لكنه كان يعرف أن القوة العسكرية ليست المشكلة الوحيدة.
فالدولة الأيوبية لم تعد تلك الدولة التي كان صلاح الدين يقف على رأسها وحده.
هناك أمراء.
وهناك إخوة.
وهناك أبناء عمومة.
وكل واحد منهم يملك مدينة.
وجيشًا.
وطموحًا.
وكانت دمشق واحدة من أهم المدن في هذا الصراع.
ومن يملك دمشق،لا يملك مدينة فقط.
بل يملك مركزًا سياسيًا وعسكريًا بالغ الأهمية.
وهنا أصبح الكامل ينظر إلى القدس بطريقة مختلفة.
لقد كانت القدس مدينة مقدسة.
ولا أحد يستطيع إنكار مكانتها.
لكن السياسة أحيانًا تجعل الحكام ينظرون إلى الخريطة كلها.
ماذا يمكن أن أخسر؟
وماذا يمكن أن أربح؟
وما الخطر الأكبر؟
عدو قادم من أوروبا؟
أم صراع داخل البيت الأيوبي نفسه؟
عندما وصل فريدريك
وصل فريدريك الثاني إلى الشرق سنة 1228م.
وكان الجميع ينتظر الحرب.
السفن جاءت.
والحملة الصليبية بدأت.
والقدس هي الهدف.
لكن شيئًا غريبًا حدث.
لم تبدأ المعركة الكبرى التي كان الجميع يتوقعها.
بدلًا من ذلك،بدأت الرسائل.
ثم المفاوضات.
ثم اللقاءات السياسية.
وكان المشهد مختلفًا تمامًا عن زمن ريتشارد وصلاح الدين.
في ذلك الزمن كانت الجيوش تتقدم.
والسيوف تحسم.
أما الآن،فكان هناك رجلان يفكران بطريقة أخرى.
فريدريك يريد القدس.
والكامل يريد أن يحافظ على دولته.
وكان كل واحد منهما يعرف أن الآخر يحتاج شيئًا.
وهنا بدأت الصفقة.
القدس مقابل ماذا؟
لم يكن الكامل يجهل قيمة القدس.
ولم يكن رجلًا يستطيع أن يقرر مصير المدينة دون أن يعرف حجم ما سيثيره القرار.
لكن الظروف كانت معقدة.
وكانت هناك حسابات داخلية.
وصراعات على السلطة.
ومخاوف من أن تتحول الحملة الجديدة إلى حرب طويلة تستنزف الدولة.
وفي المقابل كان فريدريك يريد شيئًا يستطيع أن يعود به إلى أوروبا.
شيئًا أكبر من مجرد انتصار عسكري.
كان يريد القدس.
وهكذا بدأت فكرة الاتفاق تأخذ شكلًا حقيقيًا.
بدلًا من حرب قد تستمر سنوات.
اتفاق ومفاوضات بدلًا من حصار.
وبدلًا من جيش يدخل المدينة بالقوة.
رجل يحصل عليها بتوقيع.
سنة 1229م المدينة تعود .
في سنة 1229م تم الاتفاق بين الكامل وفريدريك الثاني.
وبموجب الاتفاق عادت القدس إلى السيطرة الصليبية لفترة محددة، مع ترتيبات واستثناءات تخص بعض الأماكن المقدسة.
وهنا حدث ما لم يكن كثيرون يتخيلونه.
المدينة التي دخلها صلاح الدين بعد حطين،لم تسقط هذه المرة بعد هزيمة جيش.
لم يأتِ صليبي جديد ليهزم المسلمين في معركة كبرى.
ولم تُفتح أبوابها بعد حصار طويل.
بل تغيرت السيطرة عليها بالسياسة.
دخل فريدريك القدس.
وتحقق له ما لم يستطع ريتشارد قلب الأسد تحقيقه.
ريتشارد قاتل.
وحاصر.
وتحرك في بلاد الشام.
لكنه لم يدخل القدس.
أما فريدريك،فجاء في حملة لم تخض المعارك الكبرى التي خاضتها الحملات السابقة.
ومع ذلك وصل إلى المدينة.
وهنا كانت المفارقة.
هل كان الكامل قد خسر؟
هذا هو السؤال الذي سيبقى مفتوحًا.
هل كان ما حدث هزيمة؟
أم كان مناورة سياسية؟
من السهل بعد مرور قرون أن نحكم على رجل عاش وسط عالم مختلف.
لكن الكامل لم يكن يعيش في عالم بسيط.
كانت هناك تهديدات خارجية.
وصراعات داخلية.
وأمراء أيوبون يتنافسون على المدن.
وكان يعرف أن الحرب مع فريدريك قد تفتح بابًا لمشكلات أكبر.
ولهذا اختار طريقًا آخر.
اختار أن يعطي شيئًا،ليحافظ على أشياء أخرى.
لكن المشكلة أن هذا الشيء لم يكن مدينة عادية.
كان !!!!
القدس.
ولهذا لم يكن القرار سياسيًا فقط.
كان قرارًا يحمل وزنًا رمزيًا هائلًا.
لأن اسم صلاح الدين كان لا يزال حاضرًا.
وذاكرة حطين كانت لا تزال حاضرة.
والرجل الذي حرر القدس لم يكن قد أصبح مجرد شخصية في كتاب تاريخ.
كان جزءًا من الذاكرة السياسية للعالم الإسلامي.
ولهذا بدا المشهد وكأنه مفارقة قاسية.
صلاح الدين حرر القدس بالسيف.
والكامل أعادها بالاتفاق.
لكن فريدريك لم يحصل على كل شيء
ومع ذلك، لم تكن عودة القدس تعني أن الدولة الأيوبية انهارت.
فالكامل لم يسلم كل فلسطين.
ولم تصبح المنطقة كلها تحت السيطرة الصليبية.
وكان الاتفاق قائمًا على حسابات محددة.
وهدنة محددة.
وترتيبات محددة.
لكن القدس نفسها كانت كافية لتغيير شكل المشهد.
وكان دخول فريدريك إلى المدينة لحظة رمزية ضخمة.
لقد أصبح إمبراطورًا مرتبطًا بالقدس.
لكنه وصل إليها بطريقة مختلفة عن كل من سبقوه تقريبًا.
لم يكن هناك تتويج على ساحة معركة.
بل كان هناك اتفاق سياسي.
العالم لم يكن سعيدًا
ولم يكن الجميع راضيًا عما حدث.
لا في الشرق.
ولا في الغرب.
فريدريك نفسه كان رجلًا مثيرًا للجدل في أوروبا.
وعلاقته بالبابوية لم تكن مستقرة.
وكانت حملته محاطة بالصراعات السياسية.
أما في العالم الإسلامي، فقد أثار الاتفاق ردود فعل واسعة.
كيف يمكن أن تعود القدس بعد كل ما حدث؟
كيف يمكن أن تخرج المدينة من السيطرة الإسلامية دون معركة؟
وكان السؤال يعود دائمًا إلى صلاح الدين.
ماذا لو كان موجودًا؟
هل كان سيقبل؟
لكن التاريخ لا يعمل بهذه الطريقة.
صلاح الدين كان قد رحل.
والكامل كان يعيش زمنًا آخر.
ومشكلات أخرى.
ودولة مختلفة.
وهذه واحدة من أخطر أخطاء قراءة التاريخ.
أن نطلب من رجل يعيش في زمن مختلف أن يتخذ القرار نفسه الذي اتخذه رجل آخر في ظروف مختلفة.
لكن ذلك لا يعني أن القرار لم يكن خطيرًا.
لقد كان واحدًا من أكثر قرارات العصر الأيوبي إثارة للجدل.
وما زال كذلك.
المدينة التي لم تستقر
لكن فريدريك لم يحصل على نهاية القصة.
لأن القدس لم تكن مدينة يمكن أن تستقر بسهولة تحت سيطرة واحدة في ذلك العصر.
الاتفاق كان له زمن.
والهدنة لها نهاية.
والصراعات داخل الدولة الأيوبية لم تتوقف.
والمنطقة كلها كانت تتحرك.
وبعد سنوات،ستعود القدس مرة أخرى إلى المسلمين.
لكن هذه المرة أيضًا، لن يكون التاريخ قد وصل إلى نهايته.
لأن الدولة التي بناها صلاح الدين بدأت تدخل مرحلة جديدة.
الأمراء يتكاثرون.
والصراعات تتسع.
والقوة المركزية تصبح أضعف.
وفي الوقت نفسه،كان خطر جديد يتحرك في الأفق.
خطر لم يأتِ من أوروبا.
ولم يخرج من بيت أيوب.
كان قادمًا من بعيد.
من وراء سهول آسيا.
جيش لا يعرفه العالم الإسلامي كما عرف الصليبيين.
فرسان يتحركون بسرعة.
ومدن تسقط أمامهم.
ودول تختفي من الخريطة.
وكان اسمهم سيصبح بعد سنوات مرادفًا للرعب.
المغول.
وفي الغرب، كانت غرناطة لا تزال تقاوم
وبينما كانت القدس تنتقل من يد إلى يد في المشرق،كانت الأندلس تعيش معركة أخرى.
غرناطة التي بدأت تظهر بعد انهيار قوة الموحدين، كانت تحاول أن تثبت أقدامها.
هناك، لم يكن ابن الأحمر يحلم بإعادة الأندلس إلى ما كانت عليه.
كان يعرف أن الزمن تغير.
وأن الخريطة القديمة انتهت.
ولهذا كان السؤال مختلفًا.
كيف تبقى؟
كيف تعيش دولة صغيرة بين قوى أكبر منها؟
كيف يمكن لغرناطة أن تنجو بينما المدن الإسلامية الأخرى تسقط؟
وفي الشرق كان السؤال أيضًا يتغير.
لم يعد السؤال فقط:
كيف نحارب الصليبيين؟
بل أصبح كيف نحافظ على دولة بدأت تتوزع قوتها بين أمراء كثيرين؟
وهكذا في الوقت الذي كانت فيه غرناطة تبني نفسها على ما تبقى من الأندلس،كانت الدولة الأيوبية تبدأ في فقدان الوحدة التي حاول صلاح الدين والعادل والكامل الحفاظ عليها.
في الغرب دولة صغيرة تولد.
وفي الشرق دولة كبيرة تبدأ في التشقق.
لكن العاصفة القادمة لم تكن صليبية
ظل الصليبيون موجودين.
وظلت القدس محورًا للصراع.
وظلت أوروبا تنظر إلى الشرق.
لكن التاريخ كان يستعد لفتح باب آخر.
بعيدًا عن البحر المتوسط.
بعيدًا عن أوروبا.
بعيدًا عن الحملات الصليبية.
كان هناك عالم آخر يتحرك.
وفي أقصى الشرق كانت قوة هائلة تجمع القبائل تحت راية واحدة.
ثم تبدأ في الزحف.
دولة بعد دولة.
ومدينة بعد مدينة.
وفي لحظة ما سيصل صدى هذا الزحف إلى العالم الإسلامي.
وسيسمع الناس باسم رجل غيّر خريطة آسيا كلها.
جنكيز خان.
وهنا ستبدأ قصة مختلفة تمامًا.
قصة لن يكون فيها السؤال:
هل تعود القدس؟
بل سيكون السؤال:
هل ستبقى المدن أصلًا؟
في المقال القادم:
حين جاءت العاصفة من الشرق.
جنكيز خان الرجل الذي بدأ من السهوب وغيّر خريطة العالم
بينما كان الصليبيون يعبرون البحر بحثًا عن القدس .
كان خطر آخر يتحرك من مكان بعيد.
لم يأتِ بالسفن.
ولم يحمل صليبًا.
ولم يكن يبحث عن مدينة مقدسة.
كان يبحث عن العالم كله.
من سهول آسيا خرج رجال على ظهور الخيل.
يتحركون بسرعة.
ويضربون بقوة.
ويتركون وراءهم مدنًا مدمرة ودولًا منهارة.
وفي مقدمتهم رجل اسمه:
جنكيز خان.
لكن قبل أن يصل المغول إلى بغداد،
وقبل أن تسقط الخلافة العباسية،
وقبل أن يتحول اسم هولاكو إلى أحد أكثر الأسماء حضورًا في الذاكرة الإسلامية.
علينا أن نعود إلى البداية.
إلى رجل لم يولد إمبراطورًا.
ولم يرث دولة.
بل بدأ حياته وسط الصراعات والقبائل.
ثم نجح في توحيد عالم كامل من خلفه.
ومن هناك بدأت العاصفة.
لأن التاريخ، بينما كان منشغلًا في الغرب بالقدس والأندلس،كان يفتح ستاره في الشرق على مشهد آخر.
مشهد أكبر.
وأخطر.
وأشد قسوة.
فالعالم لم يكن يعلم أن جيشًا جديدًا قد بدأ يتحرك وأن وجه التاريخ نفسه على وشك أن يتغير.







