الدين و الحياةمقالات

التجارة باسم آل البيت والأولياء. بقلم: أشرف عبد الحميد

كيف تحولت "الموالد" من ساحات للذكر إلى مسرح للعبث والتكسب؟

التجارة باسم آل البيت والأولياء:

كيف تحولت “الموالد” من ساحات للذكر إلى مسرح للعبث والتكسب؟

 

بقلم: أشرف عبد الحميد

تستقر محبة أهل بيت رسول الله ﷺ وأولياء الله الصالحين في أفئدة المصريين والمسلمين جميعاً كجزء أصيل من عقيدتهم وفطرتهم الإيمانية؛ امتثالاً لقول الحق جل وعلا: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ﴾ [الشورى: 23]. غير أن ما تشهده العديد من الموالد والاحتفالات الدينية الخاصة بآل البيت في مختلف ربوع مصر — والتي كان آخرها الفيديوهات والصور المتداولة من مولد العارف بالله أحمد البدوي بطنطا — كشف عن انحراف خطير تحولت فيه هذه المناسبات الشريفة لدى قطاع من الدخلاء وأدعياء التصوف إلى ساحات للعبث الأخلاقي، والتكسب المالي، والتسول البشع الذي يسيء لمقام آل البيت ولجوهر الدين الحنيف.

أولاً: مشاهد العبث والصياح.. خروج صريح عن الدين والسنة

إن الممارسات الموثقة مؤخراً بالصوت والصورة — من اختلاط غير لائق، ورقص هيستيري، وصراخ، وتدافع داخل وفي محيط المشاهد الدينية — تمثل انتهاكاً صارخاً لتعاليم الإسلام ولحرمة المساجد التي أمر الله أن تُرفّع وتُحترم:

غياب السكينة والوقار: قال الله تعالى في وصف عباده الصالحين: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: 63]. إن تحويل مقامات آل البيت كالإمام الحسين، والسيدة زينب، والسيدة نفيسة، وأولياء الله الصالحين إلى ساحات للغط والانفلات ينافي تماماً قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: 36].

النهي عن الانفلات والصياح: حذر النبي ﷺ حذراً شديداً من الصياح والمظاهر التي تخل بالآداب العامة، فقال ﷺ: «إِيَّاكُمْ وَهَيشَاتِ الأَسْوَاقِ»؛ فكيف إذا جرى هذا اللغط والصياح داخل مساجد الله وتحت دعوى “المحبة والولاء”؟

ثانياً: تجارة “الموالد”.. شبكات التربح والتسول واستغلال النذور

لم تقف المهازل عند حدود الانحراف السلوكي، بل اتسعت لتتحول الاحتفالات بآل البيت إلى موسم تجاري للتكسب غير المشروع والاستغلال:

التربح باسم البركة وادعاء الولاية: يمارس العشرات من الأدعياء والمنتسبين زوراً للطرق الصوفية أعمال الدجل والتسول المباشر عبر إيهام البسطاء بمنحهم البركة مقابل أموال، وهو عين ما حذر منه القرآن الكريم: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ [البقرة: 41].

السطو على صناديق النذور والتسول حول المشاهد: بدلاً من أن تُصرف أموال النذور والصدقات للفقراء والمحتاجين عبر الطرق المؤسسية للدولة، أصبحت مطمعاً للعديد من المتسولين والأدعياء الجالسين حول الأضرحة، في مخالفة صريحة للشرع والقانون؛ قال ﷺ: «لا تَزَالُ المَسْأَلَةُ بِأَحَدِكُمْ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَلَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ» [متفق عليه].

ثالثاً: حقيقة محبة آل البيت.. إتباع لا ادعاء، واقتداء لا تجارة

إن آل بيت النبي ﷺ وأولياءه الصالحين كالإمام علي، والإمام الحسين، والسيدة زينب، والسيدة نفيسة، والعارفين بالله، كانوا أئمة في العلم، والزهد، والعبادة، والتواضع، ولم تكن حياتهم قائمة على هذا العبث أو طلب الدنيا والتكسب باسم الدين.

روى الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه تحذيراً نبوياً يصدق على ما نراه اليوم حين قال: «أحبونا حب الإسلام؛ فما زال بنا حبكم حتى صار علينا شَيناً». إن ما جرى في مولد البدوي وما يتكرر في مولد الحسين أو السيدة زينب يُعد إساءة مباشرة وتشويههاً متعامداً لمقام آل البيت.

رابعاً: الطرق المثلى والشرعية للاحتفال بأهل البيت

إن المحبة الصادقة لآل البيت والأولياء لا تُعبر عن نفسها بالصراخ والتجمهر والتربح، بل بمسارات إيمانية ومجتمعية راقية:

إطعام الطعام وتفريج كرب المحتاجين: توجيه نفقات الاحتفالات والموالد لدعم الأسر الأولى بالرعاية والمستشفيات، امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: 8].

عقد المجالس العلمية والتثقيفية: تنظيم ندوات ومحاضرات تُعرّف بسيرة آل البيت العطرة، وأخلاقهم، وعلمهم، لتكون نموذجاً عملياً يُقتدى به للشباب والأجيال الصاعدة.

الالتزام بالسكينة والوقار في بيوت الله: قراءة القرآن، والتزام الذكر والصلاة على النبي ﷺ، والدعاء لصلاح الوطن والأمة في هدوء وأدب.

التبرع المؤسسي الشفاف: إيداع النذور والصدقات في القنوات الرسمية والمؤسسية (كوزارة الأوقاف والجمعيات المعتمدة) لضمان وصولها إلى مستحقيها الحقيقيين بدلاً من أيدي الأدعياء والمتسولين.

الخاتمة

إن مشاهد العبث والتكسب التي جرت في مولد السيد البدوي وفي غيره من الموالد تضع جميع المؤسسات الدينية — وعلى رأسها وزارة الأوقاف والمشيخة العامة للطرق الصوفية — أمام مسؤولية حاسمة لتطهير مشاهد آل البيت من الدخلاء والأدعياء. إن محبة أهل البيت ناصعة صافية، ولن تكون أبداً ستاراً للتكسب أو العبث؛ فالحب الحقيقي هو إتباعٌ لسنتهم، وصونٌ لحرمة مساجدهم، وتخلقٌ بأخلاقهم السامية.

 

زر الذهاب إلى الأعلى