الحكمة والريادة الإقليمية: ثقل التاريخ وأمانة الجغرافيا
بقلم: عبد المجيد عبوبي
رئيس المجلس الوطني لحزب الحرية والعدالة الاجتماعية بالمغرب
لطالما مثلت مصر النموذج الأبرز والبوصلة الثابتة للعالم العربي بأسره. لم تكن مكانة مصر العريقة وليدة الصدفة، بل هي حصيلة تداخل فريد بين عمق حضاري ضارب في جذور التاريخ، وإشعاع فكري وثقافي وفني غذي وجدان الأمة العربية من المحيط إلى الخليج. وفي خضم العواصف السياسية التي ضربت المنطقة عبر العصور، ظلت مصر تمثل الحصن المنيع الذي تكسرت على صخرته رهانات التمزيق والتفتيت.
غير أن موقع الجغرافيا لا يمنح الدول رفاهية الاختيار، بل يفرض عليها أعباءً ثقيلة وأثماناً باهظة. ولعل الجغرافيا السياسية لمصر هي التجسيد الأوضح لهذا القدر؛ فالتصاقها التاريخي والحدودي بالقضية الفلسطينية جعلها دائماً في خط المواجهة الأول. ولا يمكن لذاكرة الأمة أن تنسى بسهولة التضحيات الجسام التي قدمتها مصر وحدها لعقود طويلة، سياسياً وعسكرياً ومادياً، دفاعاً عن الحق الفلسطيني والأمن القومي العربي، عابرة بذلك محطات صعبة من الحروب والأزمات التي ما زالت آثارها محفورة في الذاكرة الجمعية.
اليوم، وفي ظل مشهد إقليمي معقد تعصف به التحولات السريعة والتحديات غير المسبوقة، تجد مصر نفسها مجدداً في عين العاصفة، مدعوة لإثبات حنكتها السياسية المعتادة. فالمستجدات الراهنة على الحدود الشرقية ومعبر رفح، وتداعيات الحروب المستمرة والصراعات الممتدة في قطاع غزة، تضع القاهرة أمام اختبار استثنائي يختبر صلابة قرارها السياسي وقدرتها على المناورة بحكمة بالغة.
تتحرك القيادة المصرية والدبلوماسية ببرغماتية واعية توازن بين متطلبات الأمن القومي الاستراتيجي وضرورات الواجب القومي والإنساني. وتبرز المستجدات اليوم في مسارين أساسيين: الأول هو إدارة مفاوضات وقف إطلاق النار وتثبيت التهدئة وسط عراقيل إقليمية ودولية جمة، والثاني هو الوقوف بحزم ضد أي مخططات خفية أو معلنة تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية أو فرض التهجير القسري، مع اعتبار أمن الحدود خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه.
إلى جانب ذلك، تخوض مصر معركة دبلوماسية واسعة النطاق على الصعيدين العربي والدولي لحشد الدعم الإنساني وإعادة الإعمار، ورفض تحويل مأساة الشعوب إلى ورقة مساومة. ورغم الضغوط الاقتصادية الجسيمة والأزمات المحيطة بها من كل حدب وصوب (سواء في ليبيا، أو السودان، أو البحر الأحمر)، تظل الدولة المصرية صامدة في دورها المحوري كصمام أمان حقيقي للاستقرار في الشرق الأوسط.
إن مصر اليوم، كما كانت بالأمس، تثبت أن “الحكمة” ليست ضعفاً، بل هي أقصى درجات القوة في مواجهة العواصف. إنها تدير أزماتها المعقدة برؤية استراتيجية تدرك تماماً أن بقاء استقرار المنطقة مرتبط ارتباطاً وثيقاً بصلابة الموقف المصري وقدرته على حفظ التوازن، فتبقى مصر دائماً وأبداً القلب النابض للعروبة والدرع الواقي لقضاياها العادلة.







