مقالاتمنوعات

العقاب بين ميزان الشرائع السماوية وضمائر المربيين. كتبت: رشا درويش

العقاب بين ميزان الشرائع السماوية وضمائر المربيين

 

كتبت: رشا درويش

في خضم الجدل الدائر حول أساليب التربية الحديثة، يختلط الأمر لدى الكثيرين بين مفهوم “العنف المرفوض” و”التأديب المشروع”. وبينما تدعو التوجهات التربوية المعاصرة إلى تعزيز لغة الحوار، يظل العقاب المنضبط بمفهومه الشامل لا البدني فحسب ركيزة أساسية في تقويم السلوك، وهو ما أقرته الشريعة الإسلامية وجعلت القائم به مأجورًا متى التزم بضوابط الحكمة والرحمة.

ينطلق التصور الإسلامي للتربية من مبدأ المسؤولية الكبرى الملقاة على عاتق الوالدين والمربين. فالطفل أمانة في عنق والديه، وإهمال تقويم اعوجاجه يعد تفريطًا في هذه الأمانة. وقد لخص النبي ﷺ هذه المسؤولية بقوله: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته». ومن هنا، فإن سعي الأب أو الأم لتعديل سلوك الأبناء ووقايتهم من الانحراف هو طاعة وقربة إلى الله، ينال عليها المربي الأجر والثواب، شريطة أن يكون الدافع هو الإخلاص والرغبة في الإصلاح، لا التنفيس عن الغضب أو الانتقام للنفس.

يؤكد علماء الدين والتربية أن كلمة “عقاب” في المنهج النبوي تتسع لتشمل عشرات الوسائل قبل التفكير في أي أذى جسدي. فالنبي ﷺ لم يضرب بيده طفلًا أو خادمًا قط، بل اعتمد التدرج في التقويم:

• التوجيه والنصح: شرح الخطأ وبيان عواقبه بهدوء.

• العتاب وتغيير ملامح الوجه: إشعار الطفل بعدم الرضا عن تصرفه.

• الحرمان المؤقت: منع الطفل من امتياز يحبه (كنزهة أو لعبة) لربط الخطأ بالنتيجة.

• الهجر التربوي القصير: الخصام المؤقت الذي يدفع المخطئ لمراجعة نفسه.

لكي يتحول العقاب من مجرد ردة فعل إلى عبادة يثاب عليها المربي، وضع الفقهاء والمختصون ضوابط صارمة تضمن عدم تحوله إلى إيذاء نفسي أو جسدي:

• التدرج: ألا يُلجأ للعقاب إلا بعد استنفاد وسائل الترغيب والتوجيه والإرشاد.

• العدل والتناسب: أن يكون العقاب على قدر الخطأ دون إفراط أو قسوة، وألا يوقع في لحظة غضب شديد.

• صون الكرامة: تجنب الإهانة اللفظية أو معاقبة الطفل أمام الآخرين؛ لأن الهدف هو بناء الشخصية لا كسرها.

• الموازنة بالثواب: ربط الحزم بالحب، ومكافأة السلوك الحسن لتعزيز الثقة بالنفس.

إن العقاب التربوي الحلال هو ذلك الذي يشبه الدواء؛ يُعطى بقدر، وفي وقته المناسب، وبنية الشفاء والإصلاح. فمتى أخلص المربي نيته لله، وتسلح بالعلم والحلم، كان حزمه رحمة، وتأديبه صدقة جارية في صلاح أبنائه ومجتمعه.

 

زر الذهاب إلى الأعلى