الفاشر: ذاكرة الدم في أرض عطشى للعدالة

الفاشر: ذاكرة الدم في أرض عطشى للعدالة
هويده عبد العزيز
في الغرب السوداني، حيث يلتقي التاريخ بالأسطورة، تقف الفاشر صامدة بذاكرة حية؛ عاصمة سلطنة دارفور القديمة. المدينة التي حملت إرث السلطان “علي دينار”، آخر سلاطين الاستقلال العربي الإفريقي، قبل أن يبتلع الاستعمار ما تبقّى من ممالك الصحراء.
تقف الفاشر شامخة بقلاعها الطينية أمام الريح، المدينة التي انطلقت منها قوافل الحج، وتقاطعت بها طرق التجارة، وصيغت بها معاهدات السلام تحت ظلال الهشاب والتبلدي والطلح.
الفاشر لم تكن يومًا على هامش التاريخ، أو بعيدة عن ضجيج العالم، إنما كانت مركزًا حضاريًا وثقلاً تاريخيًا قاوم الاستعمار، تعرف شكل العالم قبل أن يرسم خرائطه ويُعرف ملامحه الجيوسياسية والاقتصادية.
لكن الزمن تبدّل، مع موجات الجفاف وتراجع برامج التنمية، وتوظيف السلطة للنزاعات القبلية والتهجير القسري، انفجرت أزمة دارفور عام 2003. نزحت القبائل (الفرو والمساليت والزغاوة) جنوبًا بحثًا عن الماء والكلأ، فاحتدم الصراع حول الأرض والمراعي والمياه. كانت تلك الشرارة الأولى في صراع دموي طويل ومرير غذّته سياسات القمع والإقصاء والتهميش.
والفاشر، التي سقطت اليوم في براثن قوات الدعم السريع، ليست الفاشر الأمس؛ فقد أضحت الفاشر — التي تعاني أصلًا من شحّ الموارد وضعف خصوبة الأرض — على مدار سنوات منذ سقوط حكومة “البشير” تتحمّل وحدها عبء ملايين النازحين.
فالمدن التي تكبر بسرعة لا تُزهر من الداخل ولا تجني عسلًا معتّقًا؛ تكبر بالألم وتُخنث بالجراح. وقد نضجت الفاشر على عمى قبلي لم تختاره ولم يكن لأهلها يد فيه، نضجت في قدورٍ لنيرانٍ أوقدها آخرون؛ كبرت بحجم الجفاف، جفاف منابع الرحمة والتسامح، بحجم جفاف المآقي التي استُنزفت دموعها باكرًا على من رحلوا دون وداع.
شابت بحجم اتساع المقابر وتيبس العظام، وتجمدت بحجم الأجساد التي صُلِبَت على أوتاد القبلية.
حينما نكتب عن الفاشر، فنحن لا نكتب عن نزاع قبلي ولا عن جماعات إثنية، إنما نكتب عن ضرورة حتمية للتعايش السلمي فوق أرض تُروى بدمَين سودانيين، لا دماء غريبة.
فما يحدث اليوم ليس وليد اللحظة؛ إنه تراكم عقودٍ تسربت إليها الجراح كتاريخٍ أسود نازف لا يريد لحبره انتهاءً. محاولة لتجريد فصيل من الناس من حقّهم في الأرض والذاكرة والهوية على حساب آخر.
دارفور وكردفان — بلحمتها العربية والأفريقية معًا — كانتا وما تزالان مائدة واحدة تتّسع للجميع. الدم المسفوك ليس دم هذه القبيلة أو تلك، بل دم السودان نفسها.
إن شرف المدينة اليوم ينبغي ألّا ينسى.
إنها سودانية، فالنسيان هو الهزيمة الأخيرة للضمير.
ويبقى السؤال الذي يزاحم مخيلتنا:
هل نملك حق التفلسف في زمن المليشيا المسلحة؟
قد يبدو السؤال سخيفًا وساذجًا:
هل يحقّ للإنسان أن يفكّر في معنى وجوده بينما يحترق بيته ويُنتَهك عرضه وشرفه؟ ربما مضطرين لذلك، وللبحث عن معنى يتسع له صدرنا وقلوبنا أو سبب يمنعنا من الانهيار الكلي ومن السقوط.
الناجون في الفاشر ليسوا على قيد الحياة كما أنهم ليسوا أمواتًا. إنهم عالقون في برزخ العصبية القبلية وفخاخ الميليشيات المسلحة التي تغذّيها أجندات خارجية.
لكن ماذا عن اللحظة التالية؟
تموت اللحظات حين تهرب من شراك الأسئلة الوجودية: لقد نجونا أمس من الموت بأعجوبة، وحين نفكر في الهرب؛ ننجو — وحتى الهرب ترف لا يتسع للجميع.
فحين يطارد الموت الأبواب وتسد طيور الظلام النوافذ، يبحث الإنسان عن معنى واحد ليستيقظ مرة أخرى. الموت ليس في غياب الحياة، بل كونه حاضرًا بقوة في ربوع الحكاية: حكاية شعبٍ يحاول التشبث بالحياة؛ يحاول ألا تُطمس اسم مدينة كاملة على بكرة أبيها من سجل الوجود؛ يتمسك بكل معنى في ذاكرة حيّة وعن أحقّيته في البقاء.
مجزرة الفاشر ليست حدثًا عابرًا في تاريخ الصراع السوداني، إنها امتحان أخلاقي ونداء للإنسانية والعالم أجمع، مفاده:
إمّا أن نقف مع هذه الأرض بكرامة، أو نسقط معها في حضيض الذل والمهانة.
وحتما ستأتي تلك اللحظة التي يسأل فيها جيل بعد جيل:
أين كنتم يوم صرخت الفاشر؟ يوم ذُبحت بدمٍ بارد؟
ولن يكون هناك سوى جوابين لا ثالث لهما: كنا نهب لنجدتهم ودعهمهم، أو كنّا صامتين نتابع نشرات الأخبار وأهلها يُدفنون أحياء في مقابر جماعية.
والصمت في حضرة المجازر… جريمة أخرى؛ تواطؤ مع الجاني والفظائع التي تُرتكب دون أن يهتز ساكن لظلم أو ينتفض لوأد الظالم.
العالم يعشق صورة الضحية الجاهزة والدماء الدافئة: دمعة واضحة، مأساة بسيطة، عنوان يمكن تسويقه. لكنه يتعثّر أمام جروح معقّدة تشبه الفاشر؛ جروح لها جذور تمتد في التاريخ، وأصوات متداخلة، وأسماء كثيرة لا تسعها شاشات الأخبار.
العالم يحب الصمت، لأن الاستماع لصرخة يتطلّب قلبًا أثقل من مصالحه وأجنداته.
لذلك لا يسمع صرخة الفاشر أحد، ليس لأن صوتها خافت، إنما المستمع منشغَل بحفل عشاء فاخر وطاولات مفاوضات تشجب وتدين دون أن تمد يدًا لتنشل أحدًا من براثن الموت.
ومع ذلك، يبقى الأمل مطلبًا وجوديًا، ليس قصيدة شعرية تُلقى في زمن الخراب، ولا ترفًا أخلاقيًا. فالأرض التي شربت دم أبناءها لا تريد أن تُتمتم قصتها بالعدم.
ربما يولد جيل لا يعرف رائحة المدافع والبنادق والدماء، جيل يعرف أن للحياة رائحة أخرى، رائحة تتسرب إلى الأنفاس مع أول قطرة مطر، فتوقظ الحنين، تذكّر النازحين بطفولتهم على ضفاف النيل، وبأحلام مدن لم تذق بعد رحمة السماء.
وأن كل خطوة على الأرض المبتلة تحمل وعدًا مشرقًا جديدًا، وأن الفاشر يمكن أن تتنفس مرة أخرى رائحة المطر، رائحة البقاء، ورائحة الأمل.
ربما يدرك الناس يومًا أن السودان أرضٌ عزيزة على قلوبنا، وطناً كريمًا يجب أن يُحمي بالعدل والتسامح، لا بالقتل والتنكيل؛ والفاشر ستظل نابضة بقوة عزيمتها وكرامة أبنائها، وأن الوقوف جانبهاهو واجب قومي وعربي .





