حكمة وموعظة (3)
القدوة قبل الموعظة
بقلم الأديب/ محمود طه
كان محمد شابًّا صالحًا يعيش في قريةٍ بسيطةٍ، يسكنها أناسٌ طيبون تجمعهم المحبة والألفة. لكن، رغم ذلك، كانت هناك ظاهرةٌ مؤسفة بدأت تنتشر بينهم، بعدما كانت مقتصرةً على المدن، وهي وقوف بعض الشباب في الشوارع لتدخين السجائر وتعاطي المخدرات.
وكان في القرية شيخٌ فاضلٌ يُدعى عبد الله، يخطب في الناس ويعظهم، ويبين لهم الحلال والحرام، ويحثهم على التمسك بأوامر الله واجتناب نواهيه، حتى اهتدى على يديه كثيرٌ من أهل القرية بفضل الله تعالى.
أما محمد، فقد كان يتيمَ الأبوين، يعمل في معرضٍ لبيع السيارات بالقرب من القرية، وكان حريصًا على حضور دروس الشيخ، فانتفع بعلمه، وتأثر بأخلاقه ومواعظه.
وذات يوم، وبينما كان في عمله، رأى الشيخ يقف بجوار المعرض مع أحد الأشخاص، وفي يده سيجارةٌ يدخنها.
صُدم محمد من هول ما رأى، وقال في نفسه:
«أهذا هو الشيخ الذي كان يعلمنا الحلال والحرام؟ أهذا الذي اهتدى على يديه الكثير؟ أهذا الذي علَّمنا الصلاة والقرآن وأمور ديننا؟»
فتقدم إليه بأدب، وقال:
— من فضلك يا شيخ، أريد أن أحدثك على انفراد دقيقةً واحدة.
ابتسم الشيخ وقال:
— تفضل يا بني.
فقال محمد:
— لعلَّك لا تعرفني، فأنا أحد تلاميذك الذين تعلموا على يديك. ولكن اسمح لي أن أذكرك وأذكر نفسي بقول الله تعالى:
﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
ثم قال:
— يا شيخ، لقد علمتنا أن التدخين من العادات الضارة، وأن المؤمن ينبغي أن يكون قدوةً في قوله وفعله، فكيف تنهانا عنه وأنت تفعله؟
ساد الصمت لحظات…
ثم نظر الشيخ إلى السيجارة في يده، فألقاها على الفور، وقال وعيناه تفيضان ندمًا:
— جزاك الله خيرًا يا بني، لقد أيقظتني من غفلتي. كنت أبتعد عن القرية حتى لا يراني أحدٌ من أهلها، وظننت أنني بذلك أخفي ذنبي، لكنني نسيت أن الله يراني في كل مكان. فهل أخشى الناس ولا أخشى الله؟! أستغفر الله العظيم وأتوب إليه.
فقال محمد:
— بارك الله فيك يا شيخ، وخير الناس من إذا ذُكِّر تذكَّر، وإذا أخطأ رجع إلى الحق.
فقال الشيخ:
— أشهد الله أمامك أنني أعاهده على ترك هذا الذنب، وأسأل الله سبحانه أن يثبتني على التوبة.
ابتسم محمد، وصافح شيخه، ثم قال:
— بارك الله فيك، وجعلنا وإياك من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
وافترقا، وقد خرج كلٌّ منهما بعبرةٍ عظيمة؛ فالناصح يحتاج أحيانًا إلى من ينصحه، والمؤمن الحق إذا ذُكِّر بآيات الله عاد وأناب، ولم يمنعه منصبه أو مكانته من الاعتراف بخطئه والرجوع إلى ربه.
العبرة
الداعية قد يزل، لكنه يكون عظيمًا عندما يعترف بخطئه، ويتوب إلى الله، ويعود إلى الحق. والمؤمن الصادق لا يكتفي بنصح من حوله، بل يبدأ بإصلاح نفسه، مصداقًا لقوله تعالى:
﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 44].







