كتبتُ عن الحب من باب المعنى، فورطني قلمي الماكر، وجعل كل روح تشعر أنها المعنية، وخرجنا أنا وهو باسطورة صالحة للنشر.
كانت تتصفح مكتبتها الغنية بالسطور، ودارت بعينها بين الأرفف، فمدت يديها لتجد كتابا بعنوان «عشتار.. أيقونة الحب». تأملته وقلبت أوراقه، وهمت أن تأخذه، فإذا بكتاب آخر يسقط من الرف، وكأنه يستغيث أن تحمله معها، بعنوان «أوديب وألغازه المعلقة».
قالت: أعلم أن عشتار أو أوديب ما هما إلا أسطورتان نُقشت حكاياتهما في حضارات وأزمنة بعيدة، ربما في عصور حجرية، واختلف حولهما الفلاسفة ومدارسهم التحليلية، ولكن ما يجمعهما أنهما من وحي إنسان.
قالت ماذا لو التقت عشتار بأوديب، ونسجا معاً أسطورةً أخرى؟”
عشتار التي طافت الأزمان تُرتّب خيباتها وتفتّش عمّن يفهمها، وهو أوديب المكتظّ بالجراح، الباحث عن كفٍّ تطبطب على وجعه دون مزيدٍ من الالغاز
فكتبت بقلمها المسنون:
كان يا ما كان، منذ آلاف الأعوام والكثير من الحضارات، على حافة طريق كثيف بالأشجار، يتوسطه كهف واسع، بابه من الخشب العتيق، وجدرانه من الأحجار، وعلى خارجها نقوش تحمل معاني الحب والوفاء. وفي داخله رفوف من الألواح الطينية، عليها ورقات البردي ومداد وقوارير نحاسية مليئة بالزيوت العلاجية والعطور. ووسط كل هذا كانت تقيم عشتار.
وفي ليلة عاصفة، قامت من مخدعها الحجري المغطى بشراشف قرمزية، على صوت حوافر حصان يقترب. فخرجت من مقامها، حافية القدمين، ينسدل شعرها على كتفيها، وترفع شمعة مضاءة في وجه الغريب.
ثم رأت حصانا وعلى ظهره رجل جريح يكاد يفقد وعيه. كان غريبا، ليس من سكان المعبد الذي كان بجوارها.
فاقتربت وحاولت أن تنزله من على ظهر الحصان، وفعلت. وبعدها هرب الحصان، وكأنه ألقى إليها بأمانة وفر هاربا.
وما زال الفارس فاقد الوعي، حتى حملته بكل ضعفها و أجلسته على بساط من الصوف، وجاءت بإناء فخاري ممتلئ بالأعشاب، تتصاعد منه الأبخرة، ووضعت رأسه بين زراعيها كالرضيع، وهمت بإطعامه بيدها شربة تلو الأخرى، حتى فاق ونظر إليها
وقال: أين أنا؟ ومن أنتِ؟
فروت له ما حدث، وبعد وقت طويل أفاق تماما، وعرفها بنفسه قائلا:
أنا أوديب، فارس متى أطل دام الرعب.
رفعت عينيها إليه، ثم قالت:
أوديب؟ أهذا أنت الذي حملت الأساطير اسمه، أم أن الأسماء تتشابه كما تتشابه مصائر البشر؟
قال: لا، لست أوديب الذي جاء في الأساطير. أنا أحمل اسمه، ولكن لغزي غير، وجرحي غير.
قالت: أنا حفيدة عشتار، أيقونة الجمال، ومتى أطل يهل الحب. أخذت لقبها وقلبها.
أوديب: أي حب تقصدين؟ فهل تطبيب جراح العابرين حب!
ووضع أصابعه بين خصلات شعرها وقال: أم تقصدين أنك مأوى العاشقين؟
فنهرت يده وقالت:
حين عثرت عليك، كنت أصغي إلى وجعك، ومن بين آهاتك لمحت أنك إنسان..
فلماذا تستيقظ فيك روح الذئاب؟
أوديب: ما من امرأة إلا وكانت ذات شعاب، تلتحف البراءة، وتدس بين اعناقها كل سيوف الغدر.. وكلما رأيت امرأة نزف جرحي.
عشتار: عليك الآن بالنوم والراحة، فربما يلتئم جرحك.
ونام على أريكة حجرية، بينها وبين مخدعها جدار يمنعه من أن يصل إليها، ولكنه لم يمنعها من التفكير به، وذهب في سبات عميق، وبجانبه سيفه.
وتوالت الأيام حتى انقضت أربعون ليلة، تسللت خلالها الألفة إلى روحيهما دون أن ينتبها.
اعتادت عشتار أن تتفقد جرحه وتترك له أعشابها الدافئة، وصار أوديب ينتظر خطواتها ويصغي إلى حكاياتها، بينما راحت هي تكتشف خلف قسوته رجلا لم تنصفه الحياة.
تبادلا الحكايات والضحكات، وضاقت المسافات بينهما دون اعتراف أو وعد،
لكنه ظل يحتفظ بسيفه إلى جواره، وظلت هي تخفي أسئلتها خلف ابتسامتها.
كانت تلمح في قلبها أن زمن العشق عاد،
وهو يتلكأ ولا يطلب من الله الشفاء.
وذات ليل، تهل منه رائحة الشتاء، جمع الأحطاب وأوقد نارا، ونادى عليها:
عشتار، تعالى، ربما تجدي على النار ما يحميك من صقيع الشتاء.
عشتار: تنفست ببطء وجلست أمامه، تتشارك معه أبخرة النار، فلمست يديه
وتتنهدت:. لم يعد الليل باردا كما كان، صار دافئا، له رائحة التراب بعد هطول المطر، وكأنها ليلة للغفران.
صمت أوديب مليا، ينظر إلى يده التي ما زالت تحتفظ بدفء لمستها، ثم سحبها سريعا
وقال:: إن قلبي لم يعد يستوعب الغفران. لقد تملكني العذاب حتى صرت قطعة منه.
عشتار: أنا أشرع لك أبواب قلبي على مصراعيها، اجلس معك متجردة من هيبتي، واضعة كبريائي تحت ليل وجعك.
إنني أهبك عهد العشق ملء هذا الأفق الحجري.
أوديب: كيف آمن لحنانك وأنا أعلم أن خلف كل عسل مدسوس سُما؟ ثم ارتجف وقال: وماذا أحببتِ في العابر المغدور بالسهام؟
عشتار: أحببت فيك هذا الكبرياء العنيد، وفطرة الفرسان، ولكنها كلها أسباب، فلا أعلم ما الذي شدني إليك سواك.
تعال إلى صدري ولو في هيئة سيف، كل النجوم تأمرني بعناقك.
أوديب: يا عشتار! أنا ألعن الحب.
كانت لي حبيبة، فصارت لعنَتي.
الخذلان جاء أيضا من الأيدي التي أطعمتني، ومن العيون التي غفت بين أحضاني.
عشتار: ما آلمك كان قلبا تملكه الشيطان، وما يداويك أيضا قلب ربته الملائكة.
فلا عجب من الداء والدواء، فكلاهما يبدأ من القلب. ولا تعاقبني على ذنب اقترفه غيري.
أوديب: أنا عشت مرار الخيبات، فما عاد في القلب غير ألف شك وألف غدر. وإن برئت من جرح الغدر، يبقى هاجسا يوسوس لي. أخشى أن تبادري يوما إلى عابر غيري.
فقالت:
أنا عشتار، أسطورة حب تصون العهود. ولغيرك لا اكون.. ومنذُ ألفِ عامٍ ووجهكَ يشاطر احلامى يا اول العابرين على كهفي المنسي.
نظر أوديب في عيني عشتار،
ولأول مرة منذ آلاف السنين، توقف الجرح عن النزيف.
وقال: لم يدر بخلدي يوم أن أجد مأوى لروحي أو بيتا للأمان…
اقتربي أكثر… فبين أنفاسك يضيع اتزاني،
وما كنت أدرى ان عناقك.. أوله عشق وأخره جنون
عشتار: أطلق سراح سيفك واستريخ
فالشوق عميق لا يرضئ بألف عناق
وأخشى أن يموت الزمن ولا تبخر بأنفاسك مخدع العذراء
ساد صمت عميق لم يقطعه سوى عويل الرياح، وإذا بالحصان قد عاد يضرب الأرض عند باب الكهف، كأنه مبعوث القدر الذي جاء يسترد أمانته.
هنا برد قلمي المسنون، وترك سؤالا تجيبه الاقدار
هل رحل أوديب على جواده عائدا إلى ما كان؟
أم يبقى في الكهف الذي ضل عنه لآلاف السنين؟
أو ربما مهدت عشتار قلب أوديب لبحب امراءة اخرى..
كتعويذةٍ للخلودِ عشتُ حُبَّكِ
كَوَحْيٍ يهتفُ لي كلَّ ليلٍ: آنَ اقْتَرِبْ
أيها النائمُ بين أضلعي
مسكونةٌ أنا بك.








