مقالات

بالمعايير: مصر دولة مختلفة          وجيه الصقار

. بالمعايير: مصر دولة مختلفة

وجيه الصقار

زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ هي أول زيارة لمصر منذ عشر سنوات، في الشراكة الاستراتيجية بين البلدين وهى ليست مناسبة للمقارنة فإن الصين حققت أعلى معدلات التنمية، ففي مؤشر الابتكار العالمي 2025 جاءت في المركز 10 عالميًا من 139 دولة ، بينما مصر في المركز 86. وقفزت الصين اقتصاديا من خلال 24 تجمعًا ابتكاريًا ضمن أفضل التجمعات العالمية، مقابل تجمع واحد بمصر، يجعلنا نبحث عن سبب تخلف مصر برغم توافر كل عوامل التقدم، حتى أصبحت من أقل دول العالم فى التنمية والتعليم والإنتاج،

فالجهود متجهة للاستهلاك، مع غياب العقلية النقدية وانتشار ثقافة الخطابة والشعارات الإعلامية الفارغة، بدل العمل الانتاجى وتبديد استقلال الفرد وسيادة القانون وحرية التفكير. فى غياب عوامل التقدم الحقيقية، فالتقدم ليس بكثرة الهواتف الذكية والطرق والمنشآت، وإنما بقدرة الدولة على تحويل التعليم والبحث العلمي إلى ابتكار وإنتاج،

والمواطن أصبح أسير “قوت يومه” بسبب الغلاء فتعطلت طاقاته الإبداعية والنفسية والثقافية وبالتالى السياسية. الحقيقة إن المجتمع المصري يعاني التفكك فى غياب مشروع جماعي وطنى خاصة فى التعليم والثقافة والإعلام وأصبحنا نستورد معظم احتباجاتنا، وأهملنا الأفكار العلمية التى تنهض بالبلد. مصر اليوم غارقة في مشكلات بناء طرق والمدن بلا إنتاج، وتحتاج ثورة في العقل والأخلاق والإنتاج والبحث العلمى، وغابت الفكرة الوطنية لتوحيد الجهود..فنجد أن الصين لم تعتمد على بناء البنية الأساسية وحدها، بل ربطت التعليم والبحث والتصنيع والتكنولوجيا والتصدير في منظومة واحدة. والدليل أن الصين في مؤشر الابتكار العالمي تتقدم بصورة واضحة في مخرجات الابتكار؛ فهي الخامسة عالميًا، بينما مصر في المركز 81. ولعل أبرز المشكلات تتمثل فى أن التعليم المصرى يعانى مشكلات،

فالقضية ليست بعدد المدارس والجامعات فقط، وإنما في نوعية العقل الذي يخرج منها؛ والدولة الناجحة تقيس نجاح الطالب بقدرته على الابتكار والبحث المنتج ،فإننا نعانى تناقضًا بين التعليم وسوق العمل وبين الامتحان ومتطلبات المستقبل. ومع ذلك ليس مطلوبا تقليد الصين في نظامها ولكن نتعلم من قدرتها على وضع أهداف النهضة، وربط التعليم بالبحث والتصنيع، وتحويل المعرفة إلى منتجات وأسواق وفرص عمل. معيار الأداء بمصر ليس بعدد الطرق والكباري فقط.أو المدن الجديدة أوالهواتف الذكية. أوعدد الشهادات الجامعية وكثرة المؤتمرات والشعارات.وإنما بالإنتاجية، والابتكار، وجودة التعليم، والبحث العلمي، والتصنيع، والصادرات، وسيادة القانون، وكفاءة المؤسسات، وقدرة المواطن على التفكير والإبداع. وبما تنتجه الدولة من أبحاث وبراءات اختراع وحلول لمشكلات المجتمع والصناعة. فالدولة المتقدمة هى التي تستطيع أن تنتج وتطور صناعاتها وتنافس بها في الأسواق العالمية.** لذلك فإن الخروج من مأزق تخلف مصر يتطلب تجاوز الحلول الأمنية التى تعيق أمان أصحاب الرأى أو الحلول الاقتصادية المؤقتة، والانتقال إلى ثورة فى تشخيص الأزمات بالخبراء والمفكرين لتحديد المرض والعلاج وتفعيل الاستثمار الحقيقي بالطاقة البشرية والتعليمية، والعودة إلى التعليم النقدي الذي يدمج الفهم بالبحث العلمي والتجريب، فالتعليم الناجخ يصنع المواطن الحر القادر على الرؤية والإبداع، وربط الأعمال بالكفاءة والابتكار لا بالولاءات الشكلية المعطلة التى أضاعت مستقبل مصر لسنين طويلة وضمان حرية التعبير والتداول السلمى للسلطة، ومكافحة الفساد ومنع الاحتكار الاقتصادي الذي يحول دون تكافؤ الفرص، وتوفير أدوات الإنتاج وتطويرها، وإعادة صياغة علاقة الدولة بصندوق النقد والبنك الدولي، لضمان الأمان

الاقتصادى للطبقات الوسطى والفقيرة، والاعتماد على الذات فلا نهوض لمصر من أزمتها إلا بتنظيم جهود أبنائها الوطنيبن واستبعاد المنحرفين ورموز الإعلام الفاسد الذى سيطر فى بعض المراحل، ثم نتساءل لماذا استطاعت الصين أن تتحول خلال عقود قليلة إلى قوة صناعية وتكنولوجية وابتكارية كبرى، بينما لا تزال مصر تبحث عن طريق للتنمية؟ فالمعركة الحقيقية ليست في امتلاك البنية الأساسية فقط، وإنما في إنتاج المعرفة وتحويلها إلى ابتكار ومنتجات وقيمة مضافة. لعل المسئولين الذين أهدروا إمكانات الضخمة يستيقظون …!

زر الذهاب إلى الأعلى