سياسة و اقتصادمقالات

ثياب الاقتصاد… بعيون مصرية

الثأر لخامنئي... وسلاح الاقتصاد النووي

ثياب الاقتصاد… بعيون مصرية

الثأر لخامنئي… وسلاح الاقتصاد النووي

بقلم: حسين عبيد

صحفي وباحث قانوني واقتصادي

حين تتبادل القوى الكبرى التهديدات، ينشغل العالم بعدد الصواريخ والطائرات وحاملات الطائرات. لكن هناك سلاحًا آخر، أكثر هدوءًا وأشد تأثيرًا، لا يُسمع له دوي، ومع ذلك قد يهز اقتصادات العالم في ساعات قليلة. إنه الاقتصاد… السلاح الذي قد يغير موازين الصراع دون أن تُطلق رصاصة واحدة.

في قلب هذا المشهد يقف مضيق هرمز، ليس كممر بحري عادي، بل كشريان تتدفق عبره كميات كبيرة من النفط والغاز إلى الأسواق العالمية. ولهذا فإن أي اضطراب في الملاحة أو أي تصعيد يهدد أمن هذا الممر يثير قلقًا عالميًا، لأن آثاره لا تتوقف عند حدود الخليج، بل تمتد إلى أسعار الوقود والغذاء والنقل والصناعة في مختلف القارات.

في الأسابيع الأخيرة، تصاعدت حدة الخطاب السياسي والعسكري بين إيران والولايات المتحدة، وترددت تصريحات متبادلة حملت رسائل تهديد ووعيد، وسط حديث إعلامي عن احتمالات الرد والرد المضاد. وفي مثل هذه الأجواء، لا تنتظر الأسواق وقوع الحرب، بل تتفاعل مع احتمال وقوعها، فتتحرك أسعار النفط، وتزداد تكاليف التأمين والشحن، ويعيد المستثمرون حساباتهم.

من هنا، يمكن وصف الاقتصاد بأنه “السلاح النووي الاقتصادي”، ليس لأنه يدمر المدن، بل لأنه قادر على إحداث موجات متتابعة من الاضطراب الاقتصادي تمتد من أسواق الطاقة إلى المصانع والمتاجر وموائد المواطنين. فكل ارتفاع كبير في أسعار النفط ينعكس على تكلفة الإنتاج والنقل، ثم يصل في النهاية إلى المستهلك العادي.

ومن منظور مصري، لا يمكن النظر إلى هذه التطورات باعتبارها أحداثًا بعيدة. فمصر، بحكم موقعها الجغرافي وارتباطها بالتجارة العالمية، تتأثر بأي تغيرات كبيرة في أسواق الطاقة والشحن. وكلما ارتفعت تكلفة النقل أو الطاقة، ظهرت انعكاسات اقتصادية تتطلب إدارة دقيقة وسياسات قادرة على احتواء آثار التقلبات الخارجية.

لكن يبقى السؤال الذي يشغل العالم: هل نحن أمام مواجهة إقليمية قابلة للاحتواء، أم أن دوائر التصعيد قد تتسع لتجر قوى دولية أخرى إلى صراع أكبر؟ لا توجد إجابة قاطعة حتى الآن، فالتاريخ يعلمنا أن كثيرًا من الأزمات انتهت عبر التفاوض، كما يعلمنا أيضًا أن سوء التقدير قد يحول الأزمات المحدودة إلى مواجهات أوسع.

إن أخطر ما في الصراعات الحديثة أنها لم تعد تُقاس فقط بما يحدث في ميادين القتال، بل بما تتركه من آثار في الأسواق والاقتصادات. ولهذا فإن قراءة المشهد لا تكتمل بالنظر إلى التحركات العسكرية وحدها، بل يجب أن تمتد إلى حركة النفط، وسلاسل الإمداد، وأسواق المال، لأنها أصبحت جزءًا أساسيًا من معادلة القوة.

لقد أصبح الاقتصاد لغة جديدة للردع، وأداة تستخدمها الدول إلى جانب القوة العسكرية لتحقيق أهدافها. وربما لهذا السبب، فإن العالم اليوم لا يخشى الصواريخ وحدها، بل يخشى أيضًا اهتزاز الأسواق، وانقطاع الإمدادات، وارتفاع الأسعار، وهي معارك قد يدفع ثمنها المواطن البسيط قبل غيره.

ويبقى الأمل أن تنتصر الحكمة على التصعيد، لأن كلفة السلام دائمًا أقل من كلفة الحرب، وكلفة الحوار أقل بكثير من كلفة المواجهة. فالعالم لا يحتاج إلى حرب جديدة، بل إلى إرادة سياسية تُجنب الشعوب أزمة قد تبدأ في مضيق بحري، لكنها قد تمتد آثارها إلى كل بيت على وجه الأرض.

زر الذهاب إلى الأعلى