التاريخ من وراء الستار
حين خرج قطز من القاهرة
بقلم / محمد مصطفى كامل
هولاكو يترك الشام وقطز يتخذ القرار الذي سيضع مصر في مواجهة المغول
لم يكن سقوط بغداد نهاية العاصفة.
كان بداية اقترابها من مصر.
فبعد أن سقطت المدينة التي ظلت قرونًا عاصمة للخلافة العباسية، لم تتوقف جيوش المغول.
تقدمت نحو الشام.
وسقطت مدن كبرى.
وتراجعت قوى كانت تبدو قبل سنوات عصية على السقوط.
ثم جاءت دمشق.
وهنا لم يعد بين المغول وبين مصر إلا المسافة التي تفصل الشام عن النيل.
وفي القاهرة كان قطز يعرف أن المعركة القادمة لن تكون معركة حدود.
بل معركة وجود.
هولاكو في الشام
بعد بغداد، اتجه هولاكو غربًا.
دخلت قواته بلاد الشام.
سقطت حلب.
ثم سقطت دمشق.
وكان المشهد يبدو وكأن الطريق أصبح مفتوحًا أمام المغول.
أما القوى الإسلامية في المنطقة
فكانت تعيش واحدة من أسوأ لحظاتها.
الأيوبيون منقسمون.
والصليبيون يراقبون.
والمدن تبحث عن وسيلة للنجاة.
أما مصر،فكانت الاستثناء.
لم تسقط.
ولم تستسلم.
وكان فيها جيش مملوكي يعرف أن الدور سيأتي عليه.
لماذا لم يتقدم هولاكو إلى مصر بنفسه؟
وهنا يحدث أمر غريب.
بينما كان الطريق مفتوحًا أمام المغول تراجع هولاكو بجزء كبير من قواته إلى الشرق.
كانت هناك تطورات داخل الإمبراطورية المغولية بعد وفاة الخان الأعظم منكو سنة 1259م، واحتاج هولاكو إلى التحرك وفقًا لهذه الظروف.
لكنه لم يترك الشام.
ترك فيها جيشًا قويًا.
وجعل القيادة العسكرية في يد قائده:
كتبغا نوين.
وهنا تغيرت المعادلة.
لم يعد قطز يواجه هولاكو نفسه.
بل يواجه جيشًا مغوليًا بقيادة كتبغا، يحمل معه انتصارات بغداد وحلب ودمشق.
وكان كتبغا يعتقد أن الطريق إلى مصر أصبح مفتوحًا.
لكن القاهرة كانت تفكر بطريقة أخرى.
رسالة إلى سلطان مصر
وصل إلى قطز تهديد المغول.
رسالة تحمل لغة القوة نفسها التي استخدموها مع غيره.
الخضوع أو المصير نفسه.
كان بإمكان قطز أن يفعل ما فعله آخرون.
أن يفاوض.
أن يطلب الأمان.
أن ينتظر.
أن يبحث عن مخرج.
لكنه أدرك شيئًا خطيرًا:
إذا دخل المغول مصر، فلن تكون هناك فرصة ثانية.
وكان القرار الذي سيتخذه قطز أخطر قرار اتخذه سلطان مملوكي حتى ذلك الوقت.
لن ينتظر المغول.
سيخرج إليهم.
لكن مصر كانت منقسمة
لم يكن قطز يحكم دولة مستقرة.
كان المماليك أنفسهم قد عاشوا سنوات من الصراع.
والأمراء بينهم تنافس.
والخزينة تحتاج إلى المال.
والجيش يحتاج إلى تعبئة.
وكل قرار يحتاج إلى موافقة رجال اعتادوا أن يكونوا شركاء في صناعة السلطان.
لكن قطز كان يعرف أن اللحظة لا تسمح بالخلاف.
وكان هناك رجل يستطيع أن يمنحه قوة عسكرية لا غنى عنها.
بيبرس.
قطز وبيبرس
لم تكن العلاقة بين قطز وبيبرس قصة صديقين جمعتهما الأيام منذ البداية.
كانت أكثر تعقيدًا.
بيبرس كان من أبرز المماليك البحرية.
وكان قد دخل في صراعات سياسية بعد مقتل أيبك، وغادر مصر إلى الشام.
لكن الخطر المغولي غيّر الحسابات.
فقطز يحتاج إلى بيبرس.
وبيبرس يعرف أن مصر إذا سقطت
فلن يبقى مكان آمن يمكن العودة إليه.
وهكذا عاد بيبرس إلى مصر.
وتلاقت المصالح.
وتلاقت السيوف.
وتلاقت الخطة.
الجيش يتحرك
بدأ قطز يجمع الجيش.
لم يكن جيشًا عاديًا.
كان الجيش الذي يعرف أن وراءه القاهرة.
وخلف القاهرة النيل.
وخلف النيل مصر كلها.
وكان يعرف أيضًا أن جيش المغول لم يُهزم في مواجهة كبرى في هذه المنطقة منذ أن بدأ زحفه.
لذلك لم يكن المطلوب فقط أن يجمع الرجال.
كان عليه أن يعيد إليهم الثقة.
أن يقنعهم بأن المغول ليسوا قدرًا لا يمكن مقاومته.
وأن يجعل الجيش يخرج من القاهرة وهو يؤمن أن النصر ممكن.
لماذا قرر قطز الذهاب إلى الشام؟
لأن الدفاع داخل مصر كان يعني ترك المبادرة للمغول.
ولو وصل الجيش المغولي إلى حدود مصر،فسيتحول القتال إلى حرب دفاعية.
أما إذا خرج المماليك إلى الشام
فإنهم يستطيعون اختيار اللحظة والمكان.
ولهذا كان القرار،نذهب إليهم.
كان قرارًا جريئًا.
وربما بدا للبعض مجنونًا.
لكن التاريخ أحيانًا لا يصنعه أصحاب القرارات الآمنة.
بل أولئك الذين يعرفون أن التراجع أخطر من التقدم.
ومن وراء الستار…
كانت هناك مشكلة أخرى.
المماليك لم يكونوا وحدهم في الشام.
هناك بقايا القوى الأيوبية.
وهناك الصليبيون.
وهناك مدن لم تعرف هل تقف مع المغول أم ضدهم.
وكان على قطز أن يتحرك وسط خريطة سياسية شديدة التعقيد.
لم يكن يكفي أن يهزم جيش المغول.
كان عليه أيضًا أن يمنع القوى الأخرى من استغلال اللحظة.
ولهذا كانت الحملة مزيجًا من،
السيف والسياسة والسرعة.
الطريق إلى الشام
خرج الجيش المصري من القاهرة.
وكان بيبرس في مقدمته.
وقطز يقود الجيش.
لم يعد هناك وقت للعودة.
كل خطوة إلى الشمال كانت تقربهم من المغول.
وكل مدينة يمرون بها كانت تذكّرهم بما حدث قبلها.
بغداد.
حلب.
دمشق.
مدن سقطت واحدة بعد أخرى.
والآن كان السؤال !!
هل ستكون مصر المدينة التالية؟
أم ستكون مصر المكان الذي يتوقف عنده زحف المغول؟
كتبغا ينتظر
في الجانب الآخر ،،،
كان كتبغا يملك جيشًا قويًا.
لكنه لم يكن يملك كل قوة هولاكو.
ومع ذلك لم يكن جيشًا يمكن الاستهانة به.
كان جيشًا مغوليًا محترفًا.
قادته خبرة سنوات من القتال.
ومعه حلفاء وقوات من مناطق مختلفة.
وكان كتبغا يعتقد أن المماليك لن يستطيعوا مواجهة هذه القوة.
لكن شيئًا لم يكن في حساباته.
قطز لم يأتِ ليحمي القاهرة.
لقد جاء ليبحث عن المكان الذي يمكن فيه كسر الجيش المغولي.
نحو المعركة
تقدم المماليك في الشام.
وأصبح الجيشان قريبين.
لكن قطز لم يكن يريد أن يمنح كتبغا كل ما يريد.
كان يبحث عن أرض تساعده.
عن موقع يمكن أن يستفيد فيه من طبيعة المكان.
عن لحظة يستطيع فيها أن يضرب الجيش المغولي قبل أن يستعيد قوته كاملة.
وكان بيبرس يتحرك في المقدمة.
يستكشف.
ويختبر.
ويراقب.
حتى ظهرت أمامهم منطقة ستدخل التاريخ بعد أيام قليلة.
مكان اسمه،عين جالوت.
ولكن قبل أن نصل إلى المعركة علينا أن نفهم شيئًا.
لم تكن عين جالوت مجرد مواجهة عسكرية بين جيشين.
لم يكن السؤال فيها:
من يملك عددًا أكبر من الجنود؟
بل من يملك الخطة الأفضل؟
ومن يستطيع أن يخدع الآخر؟
ومن يستطيع أن يجعل جيشه يقاتل في اللحظة المناسبة؟
ومن يستطيع أن يحوّل خوف جنوده إلى قوة؟
وهنا كان قطز يستعد لأكبر مقامرة في حياته.
أما كتبغا فكان يظن أن النصر الذي بدأ في بغداد سيمتد إلى مصر.
وكان كلا الرجلين يتجه نحو المكان نفسه.
عين جالوت تقترب
في صباح يوم المعركة،لم يكن أحد يعرف أن التاريخ يقف على بعد ساعات.
قطز أمامه جيش المغول.
وبيبرس أمامه المهمة الأصعب.
وكتبغا أمامه جيش يعتقد أنه لا يُهزم.
وخلف الجميع ،كانت مصر تنتظر.
لم يكن قطز يقاتل من أجل عرش.
فالعرش أصبح الآن أصغر من القضية.
كان يقاتل من أجل ألا تصبح القاهرة بغداد أخرى.
وكان يعرف أن الهزيمة لن تعني مجرد خسارة معركة.
بل قد تعني سقوط مصر نفسها.
ولهذا رفع قطز راية القتال.
وتقدم الجيش.
لكن قبل أن يلتقي السيف بالسيف،
كانت هناك خطة.
خطة ستجعل كتبغا يعتقد أن المماليك يتراجعون.
بينما كانوا في الحقيقة يجرّونه إلى المكان الذي اختاره قطز.
وهنا بدأت عين جالوت.
في المقال القادم
حين انكسرت العاصفة
عين جالوت اليوم الذي اكتشف فيه المغول أن الجيش الذي لا يُهزم يمكن أن يُهزم.








