أدب وثقافةمقالات

حين يتحول الكتاب من صفحات تُقرأ إلى حوار يُلهم

حين يتحول الكتاب من صفحات تُقرأ إلى حوار يُلهم

 

​بقلم: أ / هبة شاهين – الإسكندرية

​لم يعد معرض الكتاب مجرد مكان تُباع فيه الكتب، بل أصبح مساحة حقيقية يلتقي فيها الفكر بالإنسان، ويتحول فيها القارئ من متلقٍ إلى شريك في صناعة المعرفة. وهذا ما يقدمه معرض مكتبة الإسكندرية الدولي للكتاب عامًا بعد عام، من خلال برنامج ثقافي ثري يجمع الكُتّاب والمفكرين والباحثين مع جمهورهم في لقاءات مباشرة، تتجاوز حفلات توقيع الكتب إلى حوارات عميقة حول الأفكار، وتجارب الإبداع، وقضايا المجتمع.

​وشهدت الدورات الأخيرة للمعرض تنظيم ما يزيد على مائة فعالية ثقافية، بمشاركة مئات الكُتّاب والمثقفين والمتخصصين، في برنامج متنوع يعكس مكانة مكتبة الإسكندرية بوصفها إحدى أهم المؤسسات الثقافية في المنطقة.

​إن لقاء الكاتب بقارئه يضيف بعدًا جديدًا للقراءة؛ فحين يستمع القارئ إلى قصة ميلاد الرواية، أو الصعوبات التي واجهت مؤلفًا أثناء الكتابة، أو الرسالة التي أراد إيصالها، يصبح النص أكثر قربًا وعمقًا. فالكتاب لا يعود مجرد كلمات مطبوعة، بل تجربة إنسانية حية تفتح أبواب التفكير والنقاش، وتمنح القارئ فرصة لطرح الأسئلة ومناقشة الأفكار مباشرة مع أصحابها.

​كما أن الورش الثقافية والندوات تسهم في اكتشاف مواهب جديدة في الكتابة والترجمة والرسم والنقد، وتمنح الشباب الثقة في التعبير عن أفكارهم، وهي تؤكد أن الثقافة ليست حكرًا على النخبة، وإنما حق لكل إنسان يسعى إلى تطوير نفسه.

​ولعل الدور الذي تقوم به مكتبة الإسكندرية يتجاوز تنظيم معرض سنوي، فهي ترسخ مفهوم الثقافة المستدامة عبر مكتباتها، وبرامجها التعليمية، ومبادراتها العلمية، واستضافة المفكرين والمبدعين من مختلف التخصصات. ويأتي المعرض امتدادًا لهذا الدور، بالتعاون مع مؤسسات الدولة ودور النشر، لتوسيع دائرة الوصول إلى المعرفة، وتوفير الكتب بأسعار مناسبة، مع وجود جناح “سور الأزبكية” الذي يتيح آلاف الكتب بأسعار مخفضة، بما يساعد فئات أوسع، وخاصة الشباب، على اقتناء الكتب.

​وقد أدركت الدولة المصرية أن بناء الإنسان يبدأ ببناء وعيه، لذلك شهدت السنوات الأخيرة توسعًا في دعم معارض الكتاب، وتطوير المكتبات العامة، وتشجيع المبادرات الثقافية، باعتبار القراءة استثمارًا طويل الأمد في الإنسان، وليست نشاطًا ترفيهيًا.

​ولزيادة عدد القراء، وخاصة بين الشباب، فإن الأمر لا يبدأ من مطالبتهم بالقراءة، بل بجعل القراءة تجربة ممتعة وقريبة من حياتهم. ويمكن تحقيق ذلك من خلال:

¤ ​إنشاء نوادي قراءة داخل المدارس والجامعات.

¤ ​تنظيم لقاءات دورية مع الكُتّاب.

¤​ إطلاق مسابقات للمراجعات القرائية وصناعة المحتوى الثقافي.

¤​ دعم الكتب الصوتية والإلكترونية، والاستفادة من منصات التواصل الاجتماعي لتقديم محتوى معرفي جذاب.

¤​ تشجيع الأسر على تخصيص وقت أسبوعي للقراءة المشتركة (فأسرة تقرأ.. أمة تنهض).

¤​ ربط القراءة بالأنشطة الفنية والتكنولوجية التي تجذب الأجيال الجديدة.

​إن الشاب الذي يقرأ لا يكتسب معلومات فحسب، بل يبني شخصية أكثر وعيًا وقدرة على التفكير النقدي، واحترام الاختلاف، واتخاذ القرار، ومواجهة الشائعات والأفكار المتطرفة؛ فالقراءة توسع الأفق، وتزيد الإبداع، وترفع القدرة على الحوار، وتمنح الإنسان حصانة فكرية لا توفرها وسائل المعرفة السريعة وحدها.

​وفي الحقيقة، يظل معرض مكتبة الإسكندرية أكثر من مناسبة ثقافية، فهو يرسل رسالة تأكيد أن الأمم لا تُقاس بعدد الكتب التي تطبعها فقط، بل بعدد العقول التي تقرأها، وبقدرتها على تحويل المعرفة إلى سلوك، والثقافة إلى قوة ناعمة تصنع المستقبل. فكل قارئ جديد هو مشروع مواطن أكثر وعيًا، وكل كتاب يُفتح هو نافذة تُفتح نحو غدٍ أكثر إشراقًا.

زر الذهاب إلى الأعلى