حِكْمَةٌ وَمَوْعِظَةٌ
حِينَ يَتَأَخَّرُ النَّجَاحُ… لَا يَتَأَخَّرُ الرِّزْقُ
بقلم د. محمود طه
كان هناك شابٌّ يُدعى عبدالله، عُرف بين الناس بطيبته وحبّه للسلام، وكان يحمل في داخله قلبًا نقيًّا وروحًا محبةً للخير.
نشأ عبدالله في أسرة طيبة، غرست في نفسه منذ الصغر القيم والأخلاق وحب الدين والعمل الصالح.
كان والده الأستاذ مراد مدرسًا للغة العربية، وكانت والدته الحاجة سعدية ربة منزل، وكان بيتهم عامرًا بالمحبة والتعاون والاحترام.
وفي سن الثامنة، أتمَّ عبدالله حفظ القرآن الكريم، واجتهد في دراسته حتى تخرّج، وكان يحلم بأن يجد عملًا يحقق من خلاله طموحاته ويعتمد فيه على نفسه.
لكن بعد تخرجه، مرّت الأيام والشهور، ولم يجد عملًا مناسبًا.
وبلغ الرابعة والعشرين من عمره دون أن يلتحق بوظيفة، وكان والده لا يزال ينفق عليه.
وكان عبدالله يشعر بالخجل من نفسه، رغم أن والده لم يكن يعيّره يومًا بحاجته إليه، فقرر ألا يستسلم للظروف.
وقال لنفسه:
«لا عيب في العمل ما دام حلالًا، فالعيب أن أمدَّ يدي للناس وأنا قادر على العمل.»
فالتحق بإحدى الورش، رغم أن العمل لم يكن يتناسب مع مؤهلاته العلمية، لكنه كان عملًا شريفًا وحلالًا، وكان عبدالله يريد أن ينفق على نفسه، وأن يبدأ من الصفر ليبني مستقبله بيده.
ومع مرور الوقت، تعلّم مهنة الورشة وأتقنها، وأصبح ماهرًا فيها، وبدأ يكسب منها رزقًا حلالًا يشعره بالفخر والرضا.
ولم يتوقف طموحه عند ذلك.
ففي أوقات فراغه، كان عبدالله يهتم بتقديم محتوى هادف عبر مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات المختلفة، وكان هدفه أن يقدم للناس قيمة حقيقية.
فكان يشرح كتب التفسير، ويعلّم الناس قراءة القرآن الكريم، ويتحدث عن السنة النبوية، وكل ما من شأنه أن ينفع الإنسان ويرتقي بفكره وأخلاقه.
وفي البداية، لم يكن محتواه يحظى بإقبال كبير.
وكان له جار يُدعى أيمن، وهو شاب لم يهتم كثيرًا بدراسته، وحصل على الدبلوم ثم جلس في بيته، وبدأ يقدم محتوى لا يحمل قيمة حقيقية، لكنه كان يحظى بمشاهدات كثيرة ويجني منه أموالًا وفيرة.
وكان أيمن ينظر إلى عبدالله نظرة استعلاء، ويقول له ساخرًا:
«أنا جالس في بيتي معززٌ مكرّم، وأعرف كيف أكسب المال، وأنت تعمل في ورشة، وحتى محتواك لا يلقى إقبالًا!»
كانت كلمات أيمن تؤلم عبدالله، وتجعله أحيانًا يفقد ثقته بنفسه.
لكنه كان يعود إلى يقينه بالله، ويتذكر قول النبي ﷺ:
«لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها.»
فكان يقول في نفسه:
«رزقي مكتوب، وأجلي مكتوب، وما عليَّ إلا أن أسعى وأجتهد وأتوكل على الله.»
ولم يتراجع.
ظل عبدالله يقدم محتواه شهرًا بعد شهر، ولم يغيّر مبادئه من أجل المشاهدات، ولم يقدم إسفافًا أو ابتذالًا حتى يجذب الناس.
وكان يؤمن أن المجتمعات ليست كلها سواء؛ فكما أن هناك من يبحث عن المحتوى السطحي، هناك أيضًا عقول راقية وقلوب واعية تبحث عن العلم والمعرفة والقيم.
ومرت الأيام…
ثم الشهور…
وبدأ الناس يكتشفون قيمة ما يقدمه عبدالله.
فازداد عدد متابعيه، وانتشر محتواه، وأصبح الآلاف ينتظرون دروسه ومقاطعه، حتى وصل محتواه إلى أعلى مستويات المتابعة، وبدأ يحقق منه مالًا كثيرًا.
أما أيمن، فقد تعرّض محتواه للحظر والإغلاق، وخسر مصدر الدخل الذي كان يفتخر به.
وهنا أدرك عبدالله أن الطريق الطويل الذي سار فيه لم يكن ضياعًا، وأن الصبر لم يكن ضعفًا، وأن العمل الشريف لا يُقاس بنظرة الآخرين إليه.
فقد تعلّم أن رزق الإنسان لا يُقاس بسرعة وصوله، وإنما ببركة ما يصل إليه.
وتجلّت أمامه حقيقة عظيمة:
أن النجاح لا يأتي دائمًا في الوقت الذي نريده، لكنه يأتي حين نكون مستعدين له، من خلال إصرارنا وعزيمتنا وقدرتنا على تخطي المعوقات والصعوبات.
فلا تيأس حتى لو تأخر نجاحك، ولا تنظر إلى نجاح غيرك فتحتقر ما بين يديك.
قد ترى إنسانًا سبقك اليوم، لكنك لا تعرف ماذا يحمل الغد لك.
وقد يكون الطريق الذي تسير فيه بطيئًا ومليئًا بالصعوبات والتحديات، ولكن اعلم أن صبرك ومثابرتك سيساعدانك على تخطيه بعون الله وفضله، ليصنعا منك إنسانًا أكثر قوة ونضجًا، وأكثر قدرة على العطاء، وذا قيمة حقيقية في المجتمع.
فالنجاح الحقيقي ليس في كثرة المال وحدها، ولا في عدد المشاهدات والمتابعين، وإنما في قيمة ما تقدمه، وأثر ما تتركه، ونقاء الطريق الذي سلكته للوصول إليه.
فلا يأس مع الصبر والإصرار على تحقيق النجاح، ولا فشل مع العزيمة، ولا فقدان للثقة مع التوكل على الله والسعي.
العِبْرَةُ
لا تَقِسْ بدايتك بنهاية غيرك، ولا تجعل تأخر نجاحك سببًا لمقارنة نفسك بنجاح الآخرين.
فالنجاح لا يُقاس بالأموال الطائلة التي تحققها، وإنما بجودة القيمة التي تضيفها إلى المجتمع، وبإصرارك على تقديم محتوى هادف يتفق مع قيمنا ومبادئنا، ويترك أثرًا طيبًا في حياة الآخرين.
فليس المهم أن تصل أولًا، وإنما المهم أن تصل وأنت محافظٌ على مبادئك، معتزٌّ بقيمك، راضيًا عن الطريق الذي سلكته.
فما أجمل أن ينجح الإنسان دون أن يخسر نفسه، وأن يربح المال دون أن يخسر أخلاقه، وأن يصل إلى القمة دون أن يتنازل عن مبادئه.
فقد يتأخر النجاح، لكن رزق الله لا يتأخر، وقد يطول الطريق، لكن من سار فيه بالصبر والإيمان والسعي الصادق، سيصل يومًا إلى ما كُتب له.







