#مرفت التلاوي: أموال المعاشات ليست ملك الحكومة.. والوزراء كانوا «يغرفون منها»
كشفت السفيرة ميرفت التلاوي، وزيرة التأمينات والمعاشات السابقة، عن كواليس الصراع التاريخى لحماية أموال التأمينات، وكيف أجهضت الحكومة مقترحات كانت كفيلة بنقل ملايين المتقاعدين إلى خط الكفاية الرفاهية.
وأوضحت السفيرة ميرفت التلاوي، خلال لقائها مع الإعلامى عمرو حافظ، ببرنامج «كل الكلام»، المذاع على قناة «الشمس» أن العقبة الأولى التى واجهتها عند توليها الحقيبة الوزارية كانت المفهوم المغلوط السائد لدى صناع القرار بأن أموال المعاشات هى أموال عامةتابعة للحكومة، معقبة: «هناك تناسٍ تام لطبيعة تكوين المعاش؛ فالموظف يدفع جزءًامن راتبه شهريًا، والجهة المشغّلة تدفع الجزء المماثل، وحين تدفع الحكومة، فإنها تدفع بصفتها صاحب عمل وليس كمنحة دولة، هى أموال خاصة بالكامل».
ولفتت إلى أن هذا الفهم المغلوط شرعن للحكومات المتعاقبة التصرف فى هذه الصناديق دون وجه حق، فباتت أموال التأمينات مخزنًا يغرف منه الوزراء؛ حيث استُغلت فى تمويل مشروعات قومية دون عائد حقيقى يعود على أصحابها، مثل تمويل «مشروع توشكى» أو بناء مدينة الإنتاج الإعلامى، وهى استثمارات لم تدر عائدًا يذكر على الصناديق.
وكشفت عن كواليس معركتها داخل لجنة الخمسين لصياغة دستور مصر، مؤكدة أنها خاضت معركة شرسة لفرض مادة دستورية تحصن هذه الأموال، وتلخصت هذه المادة فى ثلاثة محاور رئيسية؛ تمثلت فى التأكيد القاطع على أن أموال المعاشات هى أموال خاصة، فضلا عن إلزام الدولة بـاستثمارها فى مجالات ناجحة وآمنة، علاوة على توجيه عوائد هذه الاستثمارات بالكامل لصالح تحسين معاشات المواطنين.
وكشفت وزيرة التأمينات والمعاشات السابقة، عن خطة استثمارية كبرى تقدمت بها خلال فترة تولى الدكتور كمال الجنزورى رئاسة الوزراء، كانت تستهدف شراء الحصص الحاكمة فى ثلاث من كبرى المؤسسات الاقتصادية بمصر والتى كانت الهيئة تمتلك أجزاءً منها بالفعل، وهى شركة موبينيل باكورة قطاع الاتصالات فى مصر، وشركة حديد الدخيلة، ومجمع الألومنيوم بنجع حمادى، موضحة أن الرؤية الاقتصادية لها كانتتقوم على فكرة بسيطة لكنها عبقرية؛ فبدلاً من خصخصة هذه الشركات ليتفرد بثرواتها مستثمر واحد (رجل أعمال)، تؤول هذه الأصول لـ 30 مليون مواطن مصرى من أصحاب المعاشات.
وأكدت أن العوائد الضخمة لهذه الشركات كانت كفيلة بجعل قيمة المعاش تفوق الراتب الأصلى للموظف قبل تقاعده، معقبة: «للمفارقة والأسف الشديد، رفضت حكومة كمال الجنزورى المقترح»، مشيرة إلى أن هذا الرفض لم يحرم أصحاب المعاشات من حياة كريمة فحسب، بل أجهض حلاً استراتيجيًا لأزمة البطالة وتطوير الجهاز الإدارى للدولة، موضحة أنه لو تأمنت للمعاشات عوائد مجزية، لقبل الموظفون التقاعد طواعية وبشغف، مما يتيح للدولة ضخ دماء جديدة من الشباب المسلح باللغات ومهارات الكمبيوتر وتكنولوجيا العصر.
وشددت على أن الفشل فى تمرير هذا المشروع وإصلاح منظومة المعاشات يظل هو الغصة الأكبر والأكثر إحباطاً فى مسيرتى الوزارية.
ميرفت التلاوى: «لو نُفذ مشروعى لكان الحد الأدنى للمعاشات اليوم 15 ألف جنيه»
و فجّرت «التلاوى» وزيرة التأمينات والمعاشات السابقة، مفاجأة من العيار الثقيل حول طبيعة الخلافات الحادة والصدام المستمر الذى جمعها باحد الوزراء فى حكومة الجنزورى كاشفة عن محاولات حكومية متكررة للزج بأموال المتقاعدين فى سوق الأوراق المالية (البورصة) فى وقت لم تكن فيه السوق مهيأة أو محصنة كفاية.
وكشفت عن حجم الضغوط الهائلة التى واجهتها من قِبل وزير مالية سابق، قائلة: «كانت هناك مشاكل كثيرة ومستمرة بيننا؛ حيث كانت الحكومة تصر على سحب أموال التأمينات لاستثمارها فى البورصة
المصرية»، موضحةأن رفضها القاطع وعنادها أمام وزير المالية كان نابعًا من القراءة الدقيقة لوضع السوق آنذاك؛ حيث كانت البورصة المصرية فى أواخر التسعينيات وتحديدًا عام 1997ما تزال حديثة العهد وغير مستقرة، ولم تكن القواعد التنظيمية قد انضبطت بعد، فضلاً عن غياب الشفافية بشأن هوية الشركات المدرجة وطبيعة الملاءة المالية للمساهمين فيها.
ولفتت إلى أنه لم تكن المجازفة هينة، فالحديث هنا يدور حول كتلة مالية ضخمة تجاوزت قيمتها حاجز الـ 400 مليار جنيه؛ وهى تحوى شقاء عمر ملايين الأسر المصرية، والقبول بوضعها فى بورصة ناشئة كان يعنى تعريض الأمن الاجتماعى لمقامرة غير مأمونة العواقب، موضحة أن الخلاف لم يقتصر عند حدود البورصة، بل امتد لرفض الحكومة الممنهج لتمكين هيئة التأمينات من شراء الشركات الكبرى التى كانت الدولة تطرحها للبيع ضمن برنامج الخصخصة.
وعلّقت على هذا الموقف قائلة: «كانوا ضد أن تشترى التأمينات تلك الشركات، علمًا بأن أيلولة تلك الأصول لصناديق المعاشات كانت ستحقق مصلحة استراتيجية كبرى للدولة، لا سيما من ناحية أمن المعلومات والأمن القومى، فبدلاً من ذهاب شركات قطاع الاتصالات أو الصناعات الثقيلة لجهات أجنبية أو مستثمرين مجهولين، كانت ستظل فى بيتها الآمن وتحت مظلة وطنية».
وردًاعلى سؤال حول الشكل الذى كانت ستصبح عليه منظومة التأمينات اليوم لو قُدّر لمشروعها النجاح، رسمت وزيرة التأمينات والمعاشات السابقة ملامح الفرصة الضائعة قائلة: “كانت ستحدث نقلة تاريخية كبرى لمصر، مؤكدة أنه لو نُفذت تلك الرؤية الاستثمارية القائمة على العوائد الحقيقية لأسهم الشركات الناجحة، لكانت قيمة المعاشات اليوم تتراوح بين 10 إلى 15 ألف جنيه كحد أدنى.
وتابعت: «لو تحقق ذلك، لخرج الموظف إلى التقاعد وهو مطمئن تمامًا، فبينما يتقدم الإنسان فى السن يتزايد طلبه على الأدوية والأطباء، والمعاشات الحالية لا تغطى هذا البند وحده، لو كان معاش المتقاعد يصل لـ 15 ألفًا لترك أى عمل إضافى يضطر للذهاب إليه بعد السن القانونى، ولاكتفى بكرامته وصحته».
وأكدت أن المنظومة حوصرت تاريخيًا بخطأ مُركب من عدة اتجاهات، حيث تم اعتبار أموال المتقاعدين الخاصة أموالاً حكومية عامة مستباحة الصرف، فضلا عن السعى المستمر لإلقاء هذه الأموال فى بورصة غير مهيأة سنة 1997، علاوة على توجيه الأموال لمشروعات وأقنية استثمارية تتبخر عوائدها فى ميزانية الدولة، دون أن يرتد منها مليم واحد إلى جيوب أصحاب المعاشات المستحقين.








